حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 8
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) أي شيء كائن في العالم كليّا كان أو جزئيّا إيمانا أو كفرا، فعبّر عنه بالسماء والأرض، إذ الحس لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عرفتم أن محمدا نبي مرسل ولقد جاء بفضل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه ما لاعن قط قوم نبيّا إلا وفنى كبيرهم وصغيرهم وأنه يحل الاستئصال بكم إن فعلتم وإن أنتم أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا:
يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع نحن على ديننا، فابعث رجلا من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا فإنك عندنا رضى.
فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا عبيدة بن الجراح فقال له عليه الصلاة والسّلام: «اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه فلما وصف اللّه تعالى نفسه بأنه الحي القيوم رد قول النصارى أن المسيح إله وابن إله، لأن الحي القيوم هو الواجب الوجود لذاته القائم بالحفظ والترزيق والتربية لجميع ما سواه، لأنه ولد من الأم وكان يأكل ويشرب ويحدث والنصارى زعموا أنه قتل ولم يقدر على دفع القتل عن نفسه ولما ثبت أن الإله يكون حيّا قيوما وثبت أن عيسى ما كان حيّا قيوما، ثبت قطعا أنه ليس بإله ولا ابن إله وأن النصارى لما ادّعوا إلهية عيسى بأمور أحدها العلم، فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لأحدهم إنك أكلت في دارك كذا ويقول لآخر إنك صنعت في دارك كذا وثانيها القدرة وهي أن عيسى كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ونحو ذلك وثالثها من جهة الإلزام المعنوي وهو أنه ليس له أب من البشر ورابعها من جهة الإلزام اللفظي وهو قولهم لنا: أنتم تقولون إنه روح اللّه وكلمته فاللّه تعالى استدلّ على بطلان قولهم بإلهية عيسى وبالتثليث بقوله: الحي القيوم فإن الإله لما وجب أن يكون حيّا قيوما وعيسى لم يكن كذلك وجب القطع بأنه لم يكن إلها وأجاب عن شبهتهم بعلم الغيوب بقوله: إن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وكون عيسى عالما ببعض المغيبات يدل قطعا على أنه ليس بإله فإن الإله هو الخالق لجميع الممكنات فلا بد أن يكون عالما بتفاصيل مخلوقاته ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى ليس بهذه المنزلة كيف والنصارى يقولون: إنه قتل، فلو كان يعلم الغيب لعلم أن القوم يريدون قتله فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه وأما تعللهم بقدرته على إحياء الموتى فأجاب اللّه تعالى عن ذلك بقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آل عمران: 6] وتقريره أن ما حصل لعيسى من إحياء بعض الأموات لا يدل على كونه إلها لاحتمال أن اللّه تعالى أكرمه بذلك إظهارا لمعجزته وعجزه عن إحياء باقي الأموات يوجب قطعا عدم إلهيته عليه الصلاة والسّلام. لأن الإله هو القادر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب. وأما الشبهة الثالثة وهي الإلزام المعنوي بأنه لم يكن له أب من البشر،