حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 239
وباللام. أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ أي بأني لا أضيع. وقرئ بالكسر على إرادة القول مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بيان عامل بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، أو لأنهما من أصل واحد أو لفرط الاتصال والاتحاد أو للاجتماع والاتفاق في الدين. وهي جملة معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمّال. روي أن أم سلمة قالت: يا رسول اللّه إنّي أسمع اللّه يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء، فنزلت فَالَّذِينَ هاجَرُوا إلى آخرها تفصيل لأعمال العمال وما أعدّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيقال: استجابه. قال الشاعر:
وداع دعايا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
قال الحسن: ما زالوا يقولون: «ربنا ربنا» حتى استجاب لهم. قوله: (عمل عامل) وهو ما حكى عنهم من المواظبة على ذكر اللّه تعالى في جميع حالاتهم والتفكر في مصنوعاته استدلالا واعتبارا والثناء على اللّه بالاعتراف بربوبيته وتنزيهه عن العبث وخلق الباطل والاشتغال بالدعاء. وجعل هذه الأعمال سببا للاستجابة يدل على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا. قوله: (بيان عامل) يعني أن «من» لبيان الجنس بين جنس العامل والتقدير الذي هو ذكر أو أنثى. قوله: (أو لفرط الاتصال) على أن لا تكون «من» للابتداء كما في الوجه الأول بل تكون اتصالية. قال القفال: هذا من قولهم فلان مني أي على خلقي وسيرتي. قال تعالى: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة: 249] قال الإمام: فيه وجوه أحسنها أن يقال: «من» بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. وحكى قول القفال. قوله: (وهي جملة معترضة) يعني أن قوله:
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ جملة استئنافية من مبتدأ وخبر جيء بها لبيان شركة النساء مع الرجال في الثواب الذي وعد اللّه به عباده العاملين. ومعنى كونها معترضة أنه جيء بها بين قوله عمل عامل وبين ما فصل به عمل العامل من قوله: فَالَّذِينَ هاجَرُوا فإنه تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم. قوله: (فنزلت) أي نزل قوله: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي كما أنكم من أصل واحد وأن بعضكم مأخوذ من بعض فكذلك أنتم في ثواب العمل يثاب النسوان العاملة كما يثاب الرجل العامل وبالعكس وقوله: فَالَّذِينَ هاجَرُوا الخ تفصيل وبيان لوجه كونها معترضة.
قوله: (فَالَّذِينَ هاجَرُوا) مبتدأ وقوله: لَأُكَفِّرَنَ جواب قسم محذوف تقديره: واللّه لأكفرن. وهذا القسم وجوابه خبر لهذا المبتدأ أخبر به عمن جمع بين الصفات المذكورة التي