فهرس الكتاب

الصفحة 1771 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 494

فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ طردناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية. وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً لا تنفعل عن الآيات والنذر. وقرأ حمزة والكسائي «قسيّة» وهي إما مبالغة قاسية أو بمعنى رديئة من قولهم: درهم قسيّ إذا كان مغشوشا. وهو أيضا من القسوة فإن المغشوش فيه يبس وصلابة. وقرئ «قسيّة» باتباع القاف للسين. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ استئناف لبيان قسوة قلوبهم، فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام اللّه تعالى والافتراء عليه. ويجوز أن يكون حالا من مفعول «لعناهم» لا من «القلوب» إذ لا ضمير له فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و «ما» في قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ صلة مؤكدة، فإنها قد تكون زائدة كافة عن العمل كما في قولك: «إنما زيد منطلق» وغير كافة كما في قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 159] وقوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. ووجه كونها مؤكدة للكلام أنه يتمكن معنى الكلام وفحواه في النفس من جهة وجودها، قال قتادة: إنهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الأنبياء وغيروا كتاب اللّه تعالى وضيعوا فرائضه، وقيل: إنهم كمتواصفة محمد عليه الصلاة والسّلام، وقيل: نقضوه بمجموع هذه الأمور. قوله: (قاسية) من القسوة وهي غلظة القلب وشدته، وحجر قاس: أي صلب، ودرهم قسي: أي زيف فضته صلبة رديئة ليست بلينة، وجمعه قسيان مثل صبي وصبيان؛ كذا في الصحاح. قوله:

(إما مبالغة القاسية) يعني يجوز أن تكون «قسية» بمعنى «قاسية» إلا أن القسيّ أبلغ من القاسي كالقدير أبلغ من القادر والعليم من العالم والشهيد من الشاهد، فيكون لفظ «قسية» لفظا عربيا مشتقّا من القسوة، وأنث لتأويل الجماعة. وقال الفارسي: إنها ليست من ألفاظ العرب في الأصل وإن هذه كلمة معربة أعجمية؛ يعني أنها مأخوذة من قولهم «درهم قسي» أي مغشوش، شبهت قلوبهم في كونها غير صافية عن الكدر بالدراهم المغشوشة الغير الخالصة.

إلا أن صاحب الكشاف قال: القسي مشتق من القسو؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش منهما فيه يبس وصلابة للغش الذي يكون فيه، فتكون هذه اللفظة عربية كالعليم والعالم. وفي الحواشي السعدية، قول الزمخشري «وهو من القسو» إشارة إلى أنه ليس بمعرب فارسي وهو الرديء من الدراهم على ما نقل عن الأصمعي، والمصنف رحمه اللّه تعالى اختار قول الزمخشري. وحاصل الكلام أن كل واحد من قسية وقاسية مشتق من القسو بمعنى الشدة والصلابة، وأن القاسية الشديدة الصلبة بخلاف القسية فإنها تحتمل أن تكون بمعنى القاسية وأبلغ منها وأن تكون بمعنى الرديئة المكدرة. وقوله سبحانه وتعالى:

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ أي يغيرون صفة محمد عليه الصلاة والسّلام وآية الرجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت