حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 611
ويحتمل الإفراد والجمع كالباقر. وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ يعني اليهود حين همّوا بقتله. إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ظرف لكففت فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر. وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» فالإشارة إلى عيسى عليه السّلام.
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي أمرتهم على ألسنة رسلي أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي يجوز أن تكون «أن» مصدرية وأن تكون مفسرة. قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111) مخلصون إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ منصوب «باذكر» أو ظرف «لقالوا» فيكون تنبيها على أن ادّعاءهم الإخلاص مع قولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كالباقر) فإنه يحتمل الإفراد والجمع، قال الجوهري: الباقر جماعة البقر مع رعاتها قوله: (ظرف لكففت) أي واذكر أيضا نعمتي عليك إذ منعت وصرفت عنك اليهود الذين همّوا بقتلك إذ جئتهم بالدلائل الواضحة؛ قيل: المراد بالبينات هذه البينات التي تقدم ذكرها فيكون تعريف البينات للعهد الخارجي قوله: (أمرتهم على ألسنة رسلي) دفع لما يقال من أن الوحي إنما يكون إلى الأنبياء والحواريون ليسوا أنبياء. وذهب أكثر المفسرين إلى أن الإيحاء ههنا بمعنى الإلهام، والمعنى: إذ ألهمتهم وقذفت في قلوبهم، كما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [القصص: 7] أي ألهمناها؛ لأنها ليست ممن يوحى إليه حقيقة، إذ لم يعرف نبي قط أنثى. والظاهر أن كلمة «أن» ههنا مفسرة لأنها وردت بعد ما هو بمعنى القول؛ لأن جعلها مصدرية يحتاج إلى تكلف بأن يجعل تقدير الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريين الأمر بالإيمان فأجابوا بإنشاء الإيمان والإشهاد بأنهم مسلمون، قدم الإيمان على الإسلام لأن الإيمان صفة القلب والإسلام عبارة عن الانقياد الظاهري، والإيمان بالقلب أصل ولا يعتبر الانقياد الظاهري إلا به؛ فلذلك قدموا الإيمان عليه، والمصنف حمل الإسلام على الإخلاص وهو أوجه لأنّه لا يحسن أن يقال آمنّا واشهد بأننا منقادون في الظاهر.
قوله: (فيكون تنبيها) أي على تقدير كون قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ظرفا لقوله تعالى: قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ يكون الكلام تنبيها على أنه لا منافاة بين ادعاء الحواريين الإخلاص وبين أن يقولوا ما يدل على كونهم شاكين مترددين في قدرة اللّه تعالى؛ لأن ادّعاء الإيمان والإخلاص فيه لا يستلزم تحققه واستحكامه في قلوبهم حتى ينافي ذلك الادعاء أن يصدر عنهم ما يدل على كونهم مترددين في قدرة اللّه تعالى. والحاصل أنه لما توهم المخالفة والمنافاة بين قولهم: آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ وبين قولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا الآية بناء على أن من آمن باللّه القادر على كل شيء وبرسوله الصادق