فهرس الكتاب

الصفحة 1893 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 615

وثمانون رجلا. وقيل: لما وعد اللّه إنزالها بهذه الشريطة استعفوا وقالوا: لا نريد، فلم تنزل. وعن مجاهد: أن هذا مثل ضربه اللّه لمقترحي المعجزات. وعن بعض الصوفية المائدة ههنا عبارة عن حقائق المعارف فإنها غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء البدن، وعلى هذا فلعل الحال أنهم رغبوا في حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها فقال لهم عيسى عليه السّلام: إن حصلتم الإيمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها. فلم يقلعوا عن السؤال والحّوا فيه فسأل لأجل اقتراحهم فبيّن اللّه تعالى أن إنزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة، فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقرّ له فيضل به ضلالا بعيدا.

وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم «ومِنْ دُونِ اللَّهِ» صفة لآلهين أو صلة اتخذوني.

ومعنى «دون» إما المغايرة فيكون فيه تنبيه على أن عبادة اللّه مع عبادة غيرة كلا عبادة فمن عبده مع عبادتهما كأنه عبدهما ولم يعبده أو القصور فإنهم لم يعتقدوا أنهما مستقلان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل لما وعد اللّه إنزالها بهذه الشريطة) عطف على «قوله» . روي أنها نزلت سفرة يعني روي عن مجاهد والحسن أنها لم تنزل بناء على أنه تعالى لما أوعدهم على كفرهم بعد نزولها خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا: لا نريدها، فلم تنزل. وقوله تعالى: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ معناه إن سألتم ولم يسألوا. قوله: (يريد به توبيخ الكفرة) بأن عدد اللّه تعالى على عيسى عليه السّلام نعمه يوم يجمع بينه وبين الكفرة ليقر بذلك كله، ويتبين بطلان النصارى في مخالفتهم إياه عليه السّلام. فتكون هذه الآية توبيخا لهم بوجه آخر وولي حرف الاستفهام المبتدأ، لأنه لو قيل: أقلت لكان المستفهم عنه وقوع الفعل نفسه وهو معلوم الوقوع، ولا وجه للاستفهام عن وقوعه بل المستفهم عنه إنما هو نسبة الفعل إلى قائله ليتبين أن عيسى عليه السّلام بريء من ذلك القول، وأن الكفرة هم الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون اللّه من عند أنفسهم متوغلين في تعظيمه. وبه يظهر أن المراد بالآية تقريع الكفرة وتوبيخهم على إشراكهم به تعالى من هو مقر ومفتخر بعبوديته. وقوله تعالى: اتَّخِذُونِي بمعنى صيروني فيتعدى إلى اثنين ثانيهما إلهين ومن دون اللّه إن كان صفة لإلهين يتعلق بمحذوف، والظاهر أنه صفة اتخذوني أو متعلق به على أن يكون حالا من فاعله، والمعنى صيروني وأمي إلهين أي معبودين متجاوزين عن ألوهية اللّه ومعبوديته. ويظهر بهذا التقرير وجه التنبيه المذكور لأن العبادة عبارة عن غاية التذلل ومن أثبت لمعبوده شريكا في العبادة لا يكون متذللا غاية التذلل. قوله: (أو القصور) لأن الدون في اللغة يقتضي فوق، فإن قيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت