حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 617
بالأمر فكان ما أمرتهم إلا مثل ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ أي رقيبا عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه أو مشاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي بالرفع إلى السماء لقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ[آل عمران:
55]والتوفي أخذ الشيء وافيا، والموت نوع منه. قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: 42] كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته من القول به بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) مطلع عليه مراقب له.
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ أي إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب، فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم فإن عذّبت فعدل وإن غفرت ففضل وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق «بأن» قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ وقرأ نافع «يوم» بالنصب على أنه ظرف «لقال» وخبر «هذا» محذوف أو ظرف مستقر وقع خبرا. والمعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع. وقيل: إنه خبر ولكن بني على الفتح لإضافته إلى الفعل وليس بصحيح لأن المضاف إليه معرب. والمراد بالصدق الصدق في الدنيا فإن النافع ما كان حال التكليف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفسير، وإما فعل الأمر فإنه مسند إلى ضمير اللّه تعالى فلو فسرته «باعبدوا اللّه ربي وربكم» لم يستقم لأن اللّه تعالى لا يقول اعبدوا اللّه ربي وربكم فلا يصح أن تكون كلمة «أن» في الآية مفسرة إلا أن يؤول قول عيسى بأمره ويكون المعنى ما أمرتهم إلا مثل ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه. فبهذا التأويل يصح أن يكون قوله: «أن اعبدوا اللّه» مفسرا لفعل القول المسند إلى عيسى وإن لم يصح كونه تفسيرا للأمر المسند إليه تعالى. قوله: (وقرأ نافع يوم بالنصب) أي بنصب «يوم» بغير تنوين على أنه ظرف لغو لقال وخبر هذا محذوف لدلالة الظرف عليه. كأنه قيل: قال اللّه لعيسى وقت انتفاع الصادقين بصدقهم هذا جزاء صدقك في الدنيا حيث لم تقل لهم في الدنيا إلا ما أمرت به وما يحق لك أن تقوله. ويحتمل أن يكون قوله: «يوم ينفع» منصوبا على أنه ظرف مستقر وقع خبرا لقوله: «هذا» ، والتقدير هذا الذي ذكر من كلام عيسى عليه السّلام واقع يوم ينفع. قوله: (وقيل إنه خبر) أي قيل في توجيه قراءة نافع: «إن» قوله هذا مبتدأ ويوم خبره كما في قراءة الجمهور إلا أنه بني يوم على الفتح