حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 7
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي ابتداء خلقكم منه فإنه المادة الأولى وأن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه، أو خلق أباكم فحذف المضاف ثُمَّ قَضى أَجَلًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل واحد من الوجهين ووضع المظهر أعني «بِرَبِّهِمْ» موضع المضمر لبيان موقع الاستبعاد، وعلى تقدير أن تكون الباء متعلقة «بكفروا» يكون موقع الاستبعاد والإنكار نفس الفعل وهو العدول. قوله: (فإن المادة الأولى) أي بالنسبة إلى كل واحد من آحاد نوع الإنسان كما هو المتبادر من قوله: «خَلَقَكُمْ» فإن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما متولدان من دم العروق وذلك الدم يتولد من الأغذية، وأغذية إما حيوانية أو نباتية فإن كانت حيوانية كان الحال في تولد ذلك الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان، وإن كانت نباتية فهي إنما تتولد من الطين فثبت أن الطين هو المادة الأولى للإنسان. وأيضا لما انتهت سلسلة الآباء إليه كان مادة أولى لهم من هذا الوجه أيضا. غاية ما في الباب أنه لا يكون مبدأ قريبا «ومن» الابتدائية في قوله تعالى: مِنْ طِينٍ لا تستلزم ذلك وإن أريد بمبدئية الطين كونه مبدأ قريبا للخلق يقدر المضاف في قوله: «خَلَقَكُمْ» روي أنه تعالى بعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض: إني أعوذ باللّه منه أن تنقص مني فرجع جبريل ولم يأخذ شيئا قال: يا رب إنها عاذت بك. فبعث ميكائيل فاستعاذت كالمرة الأولى فرجع، فبعث إسرافيل فاستعاذت فرجع، فبعث ملك الموت فعاذت منه باللّه فقال:
وأنا أعوذ باللّه أن أخالفه فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلف ألوان بني آدم- ثم عجنها بالماء العذب والمر والملح- فلذلك اختلفت أخلاقهم- فقال اللّه لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل وإسرافيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
قوله تعالى: ثُمَّ قَضى أَجَلًا أي قدر مدة فإن لفظ القضاء قد يراد به الحكم والأمر ومنه يقال للحاكم قاض. قال تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] وقد يراد به الإخبار والإعلام قال تعالى: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ [الإسراء: 4] وقد يراد به إتمام الشيء فعلا كما في قوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [فصلت: 12] وقد يطلق القضاء على الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص والقدر هو تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. والمراد بالقضاء في قوله عليه الصلاة والسّلام: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» ما يخاف العبد منه من نزول المكروه وبالرد تهوينه أي تسهيله عليه بحيث يتحمل ما ينزل عليه من المكروه طبعا ويصير راضيا بقضاء اللّه تعالى والمناسب لهذا المقام أن يكون القضاء بمعنى الحكم والتقدير الأزلي فتكون كلمة «ثم» للترتيب في الذكر ضرورة أن القضاء بالمعنى المذكور ليس متأخّرا عن الخلق.