فهرس الكتاب

الصفحة 1907 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 11

أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره؟ ولذلك رتب عليه بالفاء. فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة أو عند ظهور الإسلام وارتفاع أمره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجوارح فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر فيكون قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تكرارا ومن عطف الشيء على نفسه فيجب أن يحمل قوله تعالى: ما تَكْسِبُونَ على ما يستحقه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب. والحاصل أنه محمول على المكتسب كما يقال: هذا المال كسب فلان أي مكتسبه لأن حمله على أصل معناه يستلزم المحذور المذكور. فإن الكسب في الأصل هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر ولهذا السبب لا يوصف فعله تعالى بأنه كسب لكونه تعالى منزها عن جلب نفع أو دفع ضر. والمصنف حمل الكسب على معنى الفعل ودفع لزوم التكرار بقوله: «ولعله» الخ ويمكن دفع ذلك بأن الأفعال لها جهات مختلفة: فهي من جهة سر وجهر ومن جهة أخرى خير وشر، فهو تعالى بيّنها أولا من جهة كونها سرّا وجهرا ثم إنه بينها من جهة كونها خيرا وشرّا تنبيها على أنه إنما يثيب ويعاقب على حسب الاستحقاق ومقتضى الحكمة. واعلم أنه تعالى لما ابتدأ هذه السورة الكريمة بما يدل على وحدانيته ثم بيّن أنه قضى أجل الموت وأجل البعث والقيامة وثلث بما يقرر هذين المطلوبين ثم ذكر ما يتعلق بتقرير النبوة فقال: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ذم المعرضين عن تأمل الدلائل تنبيها على وجوب التأمل والتفكر فيها وبطلان الاكتفاء بالتقليد واتباع الهوى.

قوله: (ولذلك رتب عليه بالفاء) أي ولكونه كاللازم لما قبله مرتبا عليه ترتيب اللازم على ملزومه أو لكونه كالدليل رتب عليه بالفاء السببية فإنها كما تدخل على ما هو جزاء لازم لما قبله سواء تقدمت كلمة الشرط نحو: إن لقيته فأكرمه، أو لم تتقدم: نحو زيد فاضل فأكرمه تدخل أيضا على ما هو سبب لما قبلها فتكون بمعنى اللام السببية كما في قوله تعالى:

فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر: 34؛ ص: 77] وفي نحو قولك: أكرم زيدا فإنه فاضل فهذه الفاء تدخل على ما هو شرط في المعنى كما أن الأولى تدخل على ما هو جزاء في المعنى. والمراد بالحق ههنا القرآن وقيل: محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. وصف اللّه تعالى كفار مكة بثلاثة أوصاف: أولها كونهم معرضين عن التأمل والتفكر في الدلائل والآيات، وثانيها كونهم مكذبين بها وهذا الوصف أقبح مما قبله لأن المعرض عن الشيء قد لا يكذبه بل قد يغفل عنه، وثالثها كونهم مستهزئين بها وهو أقبح مما قبله لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه إلى حد الاستهزاء فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الإنكار. ثم إنه تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت