حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 12
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي من أهل زمان والقرن مدة أغلب أعمار الناس وهي سبعون سنة وقيل: ثمانون. وقيل: القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم قلّت: المدة أو كثرت واشتقاقه من قرنت. مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ جعلنا لهم فيها مكانا وقرّرناهم فيها أو أعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا بها من أنواع التصرف فيها. ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ما لم نجعل لكم في السعة وطول المقام يا أهل مكة أو ما لم نعطكم من القوة والسعة في المال والاستظهار بالعدد والأسباب. وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ أي المطر أو السحاب أو المظلّة فإن مبدأ المطر منها. مِدْرارًا أي مغزارا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما ذكر قبائحهم من الإعراض والتكذيب والاستهزاء اتبعه بما يجري مجرى الموعظة فوعظهم بالقرون الماضية والقرن الجماعة المقترنة من الناس لكونهم أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم. وقيل: القرن مدة من الزمان. قيل: هي ثمانون سنة وقيل: سبعون سنة وقيل: ستون سنة وقيل: أربعون سنة وقيل: ثلاثون سنة وقيل: مائة سنة. قيل: إنه عليه الصلاة والسّلام قال لبعض الصحابة: «تعيش قرنا» فعاش مائة سنة. فيكون معنى الآية على هذه الأقاويل من أهل قرن لأن نفس الزمان لا يتعلق به الإهلاك وهو مختار المصنف.
و «كَمْ» في الآية يجوز أن تكون استفهامية أو خبرية وعلى كلا التقديرين فهي معلقة للرؤية عن العمل، لأن الخبرية تجري مجرى الاستفهامية في ذلك ولذلك أعطيت أحكامها من وجوب التصدير وغيره. والرؤية ههنا علمية ويضعف كونها بصرية وعلى كلا التقديرين فهي معلقة عن العمل لأن البصرية تجري مجراها فإن كانت علمية تكون «كم» وما في حيزها سادة مسد المفعولين وإن كانت بصرية فمسد واحد. وقوله: مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ في موضع الجر على أنه صفة «لقرن» وعاد ضمير الجمع إليه باعتبار معناه وما في قوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي وهي حينئذ تكون صفة لموصف محذوف، والتقدير التمكين الذي لم نمكن لكم والعائد محذوف أي لم نمكنه لكم. ورد بأن «ما» بمعنى الذي لا تكون صفة للمعرفة. ويحتمل أن تكون نكرة صفة لمصدر محذوف تقديره تمكينا ما لم نمكنه لكم ورد بأن النكرة التي تقع صفة لا يجوز حذف موصوفها فلا يقال: قمت ما وضربت ما وأنت تريد قمت قياما ما وضربا ما وأن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها. والعائد محذوف أي مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم وأن تكون مفعولا به لمكناهم على المعنى لأن معنى مكناهم أعطيناهم أي وأعطيناهم ما لم نعطكم. قوله: (فإن مبدأ المطر منها) علة لجواز أن يراد بالسماء الفلك المحيط بهم كأنه ألقى ظله عليهم مع وصفها بالمدرار، فإن قوله مدرارا حال منها على أي معنى كانت فإن كون السماء بمعنى المطر والسحاب مدرارا أي كثير الدر والصب ظاهر. وإنما الاشتباه في كون السماء بمعنى المظلة