حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 14
كقوله: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [الجن: 8] لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) تعنّتا وعنادا.
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ هلا أنزل معه ملك يعلمنا أنه نبي كقوله: لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان: 7] وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ جواب لقولهم وبيان لما هو المانع مما اقترحوه والخلل فيه. والمعنى إن الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوا لحقّ إهلاكهم فإن سنة اللّه جرت بذلك فيمن قبلهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) بعد نزوله طرفة عين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والإدراك الشمي لا يليق بالمقام فبقي الإدراك البصري والإدراك اللمسي، واللمسي لكونه لا يقبل التزاوير أقوى من البصري لأنهم إذا رأوا المكتوب بأبصارهم لاحتمل أن يقولوا سكرت أبصارنا أي سدت من قولهم: سكرت النهر أسكره سكرا إذا سددته ولأن اللمس يتقدمه الإبصار ويستلزمه من غير عكس فيكون ذكره في قوة ذكرهما معا فيكون أولى بالتخصيص بالذكر والعدول إلى الظاهر في قوله تعالى: لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بعد قوله: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ للتسجيل عليهم بالكفر والعناد وقوله تعالى: وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ الظاهر أنه جملة مستأنفة سيقت لبيان شبهة أخرى من شبه منكري النبوات والإخبار عنهم بفرط تعنتهم وتصلبهم في كفرهم. وقيل: يجوز أن تكون معطوفة على جواب: «لو» أي لو أنزلنا عليك كتابا لقالوا كذا وكذا ولقالوا: لولا أنزل عليه ملك. ولا يخلو عن بعد لأن قولهم: «لو لا أنزل» ليس مرتبا على قوله: «ولو أنزلنا» و «لو لا» هنا تحضيضية كدخولها على المضارع ولو دخلت على الماضي لكانت للتوبيخ على ترك الفعل فهي ههنا بمعنى الأمر. حكى اللّه تعالى عنهم أنهم طلبوا ملكا يرونه ليشهد له بالرسالة حتى روي أن بعض المشركين قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند اللّه ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند اللّه وأنك رسوله. فأنزل اللّه عز وجل: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ الآية فأجاب اللّه عن تعنتهم باقتراح إنزال الكتاب في قرطاس يشاهدونه بأنا لو فعلنا ما ذكروه لما اهتدوا به بل نسبوه إلى السحر. وأجاب عن اقتراح نزول ملك يشهد بأنه رسول اللّه بجوابين: الأول أنه لو أنزلنا ملكا كما التمسوه لقضي الأمر أي لتم أمرهم وفرغ منه بإنزال عذاب يستأصلهم لأن إنزال الملك على البشر آية باهرة فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء الكفار لا يؤمنون كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ إلى قوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الأنعام: 111] وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال فإن سنة اللّه تعالى جرت على أن القوم إذا لم يؤمنوا عند نزول الآية الباهرة يهلكون على وجه الاستئصال وههنا لم ينزل اللّه عليهم ملكا لئلا يستحقوا هذا العذاب. ومعنى «ثم» في قوله تعالى: ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ بعدما بين الأمرين من قضاء الأمر وعدم الإنظار وجعل عدم الإنظار أشد من