فهرس الكتاب

الصفحة 2090 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 193

وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره، أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وقيل: ثم لتأخير الإخبار فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) ممن سجد لآدم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ميزان اخر، ولما يتعلق بأقواله ميزان ثالث. وقوله: «جمع معيشة» هي اسم لما يعاش به أي يحيى به. وقيل: ما يتوصل به إلى العيش والعامة على معايش بصريح الياء. وروي عن نافع معائش بالهمزة. قال النحويون: هذا غلط لأنه لا تهمز عندهم الياء الواقعة بعد ألف الجمع إلا إذا كانت زائدة أي لا يهمز إلا ما كان حرف المد فيه زائدا نحو: صحائف ومدائن. وأما معايش فالياء فيه أصلية لأنها من العيش ووجه همزها أن يشبه الأصلي بالزائد فيقال: إن معيشة على زنة صحيفة فكما تهمز ياء صحيفة فكذلك تهمز ياء معيشة أيضا. ثم إنه تعالى لما ذكر كثرة نعمه تعالى على العبد اتبعه بذكر أنه خلق أبانا وجعله مسجود الملائكة والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن. وكلمة «ثُمَّ» في قوله: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا تدل على أن أمر الملائكة بالسجود لآدم كان بعد خلق بني آدم وتصويرهم، وليس كذلك لأن خلقه تعالى وتصويره إياهم إنما هو بعد قوله تعالى للملائكة اسجدوا بزمان مديد.

فذكر له ثلاثة أوجه ارتضى الوجهين الأولين منها وضعف الثالث. الوجه الأول أن «ثم» للترتيب الزماني وأن المراد بخلق بني آدم وتصويرهم خلق نفس آدم وتصويره عبر عنهما بخلق الكل وتصويره لكون خلقه وتصويره مبدأ خلق الكل. والوجه الثاني أنه ليس المراد بخلق المخاطبين وتصويرهم خلقهم وتصويرهم حقيقة حتى يشكل قوله تعالى: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا بل المراد به الابتداء بخلقهم وتصويرهم بأن خلق آدم ثم صوره فلا إشكال. والوجه الثالث أن «ثم» ليست للترتيب في الزمان بل هي للترتيب في الإخبار بناء على أن الإخبار بإنعام تلك النعمة نعمة أخرى فإن تشريف المخاطبين بجعل أبيهم مسجود الملائكة متفرع على إيجادهم وتصويرهم. ولم يرض بهذا الوجه لأن حمل «ثم» على الترتيب في الإخبار إنما يصار إليه إذا تعذر حملها على أصل معناها ولم يتعذر ذلك لما ذكر في الوجهين الأولين. والسجود في الأصل تذلل مع تطامن. وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له بالحقيقة هو اللّه تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه، وإما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له كسجود أخوة يوسف له أو التذلل والانقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به معاشهم ويتم به كمالهم. وعلى التقديرين فالآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له ولو من وجه، وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت