فهرس الكتاب

الصفحة 2092 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 195

جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لأن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله. كأنه قيل: المانع أني خير منه ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول فكيف يحسن أن يؤمر به؟ فهو الذي سنّ التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أوّلا. خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) تعليل لفضله عليه وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ [ص: 75] أي بغير واسطة وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (جواب من حيث المعنى) لا من حيث اللفظ فإن جواب: ما منعك أن يقال: منعني كذا إلا أن ما استأنف من الإخبار بفضله على آدم بناء على شرف عنصره بالنسبة إلى عنصر آدم يفهم منه ما يكون جوابا لما منعك. كأنه قال: الذي منعني من السجود هو أني أفضل منه لأن أصلي وعنصري نار وأصل آدم طين، والنار أفضل من الطين وشرف الأصول يوجب شرف الفروع، وكون الأشرف مأمورا بخدمة الأدنى يقبح في العقول، أما كون النار أفضل من الطين فلأن النار مشرف علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات فهذا تقرير شبهة إبليس في امتناعه عن امتثال أمر اللّه تعالى. ونقول في الجواب: إن الخبيث ظن أن النار أفضل من الطين مطلقا ولم يعلم أن الفضل لما فضله اللّه وقد فضل الطين على النار من وجوه منها: أن جوهر الطين يقتضي الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه اللّه الاجتباء والتوبة والهداية، وجوهر النار يقتضي الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثه اللّه اللعنة والشقاوة ولأن التراب سبب حيات الأشجار والنباتات والنار سبب هلاكها، ولأن التراب يكون فيه ومنه أرزاق الحيوان وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم وآلات معاشهم ومساكنهم، والنار لا يكون فيها شيء من ذلك. وأيضا النار وإن حصل فيها بعض المنفعة فالشر كامن فيها، وأما التراب فالخير والبركة كامن فيه كلما قلب ظهرت بركته وخيره فأين أحدهما من الآخر؟ وأيضا فاللّه تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه الكريم وذكر منافعها من جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات، ودعا عباده إلى التذكر بها والنظر في عجائب ما أودع فيها، ولم يذكر النار إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا في موضعين ذكرها بأنها تذكرة لنار الآخرة ومتاع للمقوين أي المسافرين النازلين في القواء وهي الأرض الخالية إذا نزل المسافر فيها تمتع بالنار في منزله.

فأين هذا من أوصاف الأرض التي أودع اللّه فيها من المنافع والمعادن والأنهار والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الحيوان والنبات ما لم يودع في النار شيئا منها؟ وأما قوله: «من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت