فهرس الكتاب

الصفحة 2096 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 199

الجهات الأربع ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم. وقيل: لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه، ولم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش الناس. وعن ابن عباس: من بين أيديهم من قبل الآخرة، ومن خلفهم من قبل الدنيا، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم. ويحتمل أن يقال: من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرّزوا ولكن لم يفعلوا لعدم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العدو من هذه الجهات، فإن العدو إذا كان قويا شجيعا يأتي قرنه من جهة أمامه فيبارزه عيانا وجهارا وإذا كان مكارا يراقب غرة خصمه وغفلته يأتيه من جهة خلفه فيغتاله فجأة. وخص هاتان الجهتان بكلمة «من» الابتدائية لأنهما اغلب ما يجيء العدو منهما فينال فرصته فصارتا كأنهما هما المأتي لا غير. وخصت الجهتان الآخريان بكلمة «عن» الدالة على المجاوزة إشعارا بأن من أتى خصمه من جهة اليمين أو الشمال فهو مجاوز عن المأتي الغالب لمجيء العدو، فإن العدو قد يأتي منهما لأمر دعاه إلى الإتيان منهما وإن لم يكونا مأتي أصليا.

وقدمت الإيمان على الشمائل لكون جهة اليمين أقوى من جهة الشمال من حيث إن البطش والدفع إنما يكون باليمين دون الشمال فمن يأتي من جهة اليمين أشجع وأقدر ممن يجيء من جهة الشمال والإيمان. والشمائل جمعا يمين وشمال وهما الجارحتان. قوله: (ولذلك) أي ولكون إتيانه من هذه الجهات استعارة تمثيلية لاجتهاده في إضلال بني آدم بأي طريق يمكنه.

لم يقل: من فوقهم ومن تحت ارجلهم، إذ ليس في جانب المشبه به الإتيان من هاتين الجهتين. روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا آلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع؟

فأوحى اللّه تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان الفوق والتحت، فإذا رفع يديه إلى الفوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة. قوله: (من قبل الآخرة) بأن يشك في أمر الآخرة بأن يقول: لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار، ومن قبل الدنيا بأن يزينها في قلوبهم ويرغبهم فيها ليشتغلوا بها عما يسعدهم في الآخرة فإن الدنيا بين يدين الإنسان فهو يشاهدها والآخرة تأتي بعد ذلك فهو يشغلهم بلذات الدنيا وطيباتها ويوقعهم في الغفلة عن الآخرة وسعادتها، والإيمان كناية عن الحسنات التي هي أشرف حالتي الإنسان كالإيمان التي هي أشرف طرفيه. ومعنى الإتيان من جانب الحسنات أن يثبطهم عنها ويفتر سعيهم في تحصيلها وينفرهم منها، والشمائل كناية عن السيئات التي هي أخس الحالتين كما أن الشمال أخس الطرفين، والمراد من الإتيان من جهة السيئات أن يزينها لهم ويدعوهم إليه. روي عن الأصمعي أنه قال: يقال: هو عندنا باليمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت