حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 344
المضاف إليه مقامه ويدل عليه قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) يعني الأصنام. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك لعلّه بهيمة أو كلب؟ وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك وذكرت لآدم فهّما منه ثم عاد إليها وقال: إني من اللّه بمنزلة فإن دعوت اللّه أن يجعله خلقا مثلك ويسهّل عليك خروجه فسمّيه عبد الحارث. وكان اسمه حارثا بين الملائكة فقبلت، فلما ولدت سمياه عبد الحارث. وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء. ويحتمل أن يكون الخطاب في خلقكم لآل قصّي من قريش فإنهم خلقوا من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهما بريئان منه فقدر المضاف لدفع هذا الإشكال فيكون أول الآية في حق آدم وحواء عليهما الصلاة والسّلام كالكلام المعترض بين الكلام الوارد في شرح أحوال المشركين. حكى اللّه تعالى للمشركين أن حواء لما أثقلت دعا آدم وحواء ربهما: لئن أعطيتنا ولدا سويا صالحا في الدين لنشكرن لك. ووجه دعائهما بذلك أن آدم عليه الصلاة والسّلام رأى حين أخذ الميثاق على ذريته أن منهم السوي وغير السوي والتقي وغير التقي فسألا أن يكون هذا الولد تقيا سويا وقالا: لئن آتيتنا صالحا سويا لنشكرن لك وأعطاهما صالحا وشكرا لأنهما ليسا بحيث يعدان من أنفسهما بذلك ولا يفعلانه. وتم الكلام ههنا. ثم شرع في توبيخ المشركين بقوله:
فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا أي فلما أعطي من أولادهما من كان والدا ووالدة من أهل الشرك ولدا صالحا سوى الأعضاء جعل هذان الأبوان للّه شركاء فيما أعطاهما بأن سميا الأولاد بعبد العزى وعبد اللات ونحوهما وسجدا للأصنام شكرا على هذه النعمة. وهذا التقرير أحسن من تقرير المصنف فإنه يشعر أن المضاف إنما يقدر في قوله: جَعَلا وما بعده دون قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا ولا شك أن جعل الأولاد ليس في ذلك الحين بل بعده بأزمنة متطاولة إلا أن يقال كلمة «لما» ليست للزمان المتضايق بل هي للزمان الممتد فلا يلزم أن يقع مضمون الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور الواقعة فيه. تقول لما ظهر الإسلام طهرت البلاد من دنس الشرك والإلحاد، ولما ركب السلطان قمع آثار الشر والفساد.
قوله: (ويدل عليه) أي على حذف المضاف. قوله تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ فإنه يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة دون آدم وحواء وقوله بعده: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا فإن المقصود منه الرد على من جعل الأصنام شركاء للّه تعالى، وهذا المقصود إنما يحصل بتقدير المضاف. قوله: (وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء) فإن تسميته بعبد الحارث وإن لم يكن شركا في الحقيقة لأن أسماء الأعلام لا تفيد معانيها اللغوية إلا أن اتباع آدم لأمر الشيطان مع نبوته وعلمه الكثير الدلول عليه بقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها