فهرس الكتاب

الصفحة 2248 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 350

من العفو الذي هو ضد الجهد، أو خذ العفو عن المذنبين أو الفضل وما تسهّل من صدقاتهم وذلك قبل وجوب الزكاة. وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ المعروف المستحسن من الأفعال وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) فلا تمارهم ولا تكافئهم بمثل أفعالهم. وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق آمرة للرسول باستجماعها.

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ينخسنّك منه نخس أي وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب وفكر. والنزغ والنسغ، والنخس الغرز شبه وسوسته للناس إغراء لهم على المعاصي وإزعاجا بغرز السائق ما يسوقه. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ يسمع استعاذتك عَلِيمٌ (200) يعلم ما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه، أو سميع بأقوال من آذاك عليم بأفعاله فيجازيه عليها مغنيا إياك عن الانتقام ومتابعة الشيطان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي ولا تتكلمي في سطوتي واعتدائي حين أغضب. واعلم أن الحقوق التي تستوفي من الناس وتؤخذ منهم منها ما يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيه ومنها ما لا يجوز فيه ذلك والقسم الأول هو المراد بقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وأما القسم الثاني فالحكم فيه أن يؤمر بالعرف والعرف والمعروف ما يستحسنه الشرع القويم والعقل السليم ولو اقتصر على الأخذ بالعفو في هذا القسم لأدى ذلك إلى تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز. ثم إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في هذه الآية: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وهو تحمل الأذى والعفو عمن جنى والحلم على من جفا فظهر بهذا أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الناس مع الغير. قوله: (أو الفضل) أي أو خذ ما عفا لك وفضل من أموالهم أي ما آتوك به عفوا فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك. قوله: (شبه وسوسته) يعني أن قوله تعالى ينزغنك استعارة تبعية شبه إغراء الشيطان الناس على المعاصي بوسوسته بالنزع والغرز واستعير له اسم النزغ، ثم اشتق منه ينزغنك وإلا فليس هناك نزغ وغرز. روي أنه لما نزل قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «كيف أصنع يا رب مع الظالم والغضب يحمل علي الانتقام ومخالفة ما أمرت به من مكارم الأخلاق» فقيل له: إن الغضب من نزغ الشيطان فأما ينزغنك من الشيطان فاستعذ باللّه. جعل النزغ ملابسة الفعل بحيث صار جميع ما قام به من المعاني والأعراض ملابسا بذلك الفعل. وأما أصله «أن» الشرطية زيدت عليها «ما» للتأكيد وقوله تعالى: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة فكأنه تعالى يقول: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع لمقالك واستحضر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت