حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 351
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ لمّة منه وهو اسم فاعل من طاف يطوف كأنها طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم، أو من طاف به الخيال يطيف طيفا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب «طيف» على أنه مصدر أو تخفيف طيف كلين وهين. والمراد بالشيطان الجنس ولذلك جمع ضميره تَذَكَّرُوا ما أمر اللّه به ونهى عنه فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) بسبب التذكر مواقع الخطأ ومكايد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها. والآية تأكيد وتقرير لما قبلها وكذا قوله:
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ أي وإخوان الشياطين الذين لم يتقوا يمدّهم الشيطان فِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عناها في قلبك فإني عليم بما في ضميرك وقلبك. ولم يتعرض المصنف لهذا الاحتمال.
قوله: (لمة منه) أي عارضة من جهة الشيطان والذي من جهته لا يكون إلا الوسوسة وطيف الشيطان لمته وهو الخاطر الشيطاني وطيف الخيال الصورة المتمثلة في محل القوة المتخيلة. والأصل أن الخيال اسم بمعنى التخيل وارتسام الصورة المذكورة في محلها وطيفها نزولها فيه، فالطيف مصدر قولك: طاف به الخيال أي ألم به ونزل يطيف طيفا والطائف ما دار حول الشيء. قال أبو عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيء وهو هنا ما طاف من وسوسة الشيطان، والطيف اللمة والوسوسة. وقيل: الطيف والطائف بمعنى. قال أبو الليث: طائف الشيطان وطيف الشيطان ما يغشى الإنسان من وساوسه. وقال الفراء:
الطائف والطيف سواء وهو ما كان كالخيال والشيء الذي يلم بك. ويجوز أن لا يكون الطيف مصدر إبل يكون مخفّفا من فيعل أصله طيف بتشديد الياء فحذف عين الكلمة كما قيل في ميت وهين.
قوله: (والآية تأكيد وتقرير لما قبلها) بناء على أن الخطاب في الآية المتقدمة وإن كان للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أن حكمه يعم جميع المكلفين. قوله: (الذين لم يتقوا) صفة إخوان أشار به إلى وجه رجحان كون ضمير إخوانهم للشيطان الذي أريد به الجنس فإن كون إخوانهم مذكورا في مقابلة الذين اتقوا يؤيد كون المراد بالأخوان غير المتقين. فالضمير المنصوب في «يَمُدُّونَهُمْ» يعود عل ى «غير المتقين» والمرفوع يعود على الشيطان والتقدير وإخوان الشيطان يمدهم الشيطان أي يمدهم في الغي بحملهم عليه وإغرائهم. فعلى هذا الوجه يكون الخبر جاريا على غير من هو له في المعنى لأن الإمداد مسند إلى الشيطان، في المعنى وهو في اللفظ خبر عن إخوانهم، فإن «إِخْوانُهُمْ» مبتدأ و «يَمُدُّونَهُمْ» خبر له أسند إلى الشيطان والعائدة إلى المبتدأ ضمير المفعول كما في قولك: جارية زيد يضر بها أخبر عن الجارية بفعل غيرها ولم يقل يضر بها، هو لأن إبراز الضمير إنما يجب في مثلها إذا كان الخبر صفة لا فعلا.