حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 355
السر ودون الجهر فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص. بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ بأوقات الغدوّ والعشيات. وقرئ و «الإيصال» وهو مصدر آصل إذا دخل في الأصيل مطابق للغدوّ.
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) عن ذكر اللّه.
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني ملائكة الملأ الأعلى لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأثره وعظم شوقه فاعلم أن اللّه تعالى إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه. وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب. وكمال حال الإنسان لما توقف على انكشاف عزة الروبية وذلة العبودية أمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يذكر ربه في نفسه متضرعا لأن المقصود الأول إنما يتم بقوله واذكر ربك في نفسك، والمقصود الثاني إنما يتم بقوله تضرعا وخيفة بكسر الخاء أصلها خوفة قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وهذا الخوف يتناول خون التقصير في الأعمال وخوف الخاتمة وخوف السابقة فإن ما يظهر في الخاتمة ليس إلا ما سبق له الحكم في الفاتحة ولذلك كان عليه الصلاة والسّلام يقول: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» . قوله: (بأوقات الغدو والعشيات) إشارة إلى أن الغدو جمع غدوة وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.
والآصال جمع أصيل نحو يمين وإيمان وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب والعشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة وإضافة الأوقات إليهما بيانية. وقوله تعالى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ متعلق باذكر أي اذكر في هذين الوقتين وهي البكرات والعشيات. وخص هذان الوقتان بالأمر بالذكر لأنه فيهما تتغير أحوال العالم تغيرا عجيبا يدل على أن المؤثر فيه هو الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الكاملة فكل من شاهد هذه التغيرات ينبغي أن يذكر المؤثر فيها بالتضرع والابتهال والخوف من تحويل حاله إلى سوء الحال، فلذا خص اللّه تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر. وقيل: الغدو والآصال عبارة عن الليل والنهار والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان أمره أولا بأن يذكر ربه بلسانه على وجه يستحضر في نفسه معاني الأذكار التي يقولها بلسانه، ثم اتبعه قوله: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ للدلالة على أن الإنسان ينبغي له أن لا يغفل قلبه عن استحضار جلال اللّه تعالى وكبريائه بقدر الطاقة البشرية. ثم إنه تعالى لما رغب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك فقال: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ مع غاية طهارتهم وعصمتهم من الكدورات الطبيعية الحاملة على الشهوة والغضب والغل والحقد والحسد لما كانوا مواظبين على العبودية والخضوع التام كان الإنسان مع كونه مبتلي بظلمات عالم الجسمانيات أولى بالمواظبة على الطاعات قدم من عبادة الملائكة ما هو من أعمال القلوب وهو التسبيح والتنزيه. ثم ذكر ما هو من أعمال الجوارح تنبيها على أن الأصل في الطاعة