فهرس الكتاب

الصفحة 2259 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 361

كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال في كراهتهم إياها كحال إخراجك للحرب في كراهتهم له. أو صفة مصدر الفعل المقدر في قوله: لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: 1] أي الأنفال تثبت للّه والرسول عليه السّلام مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك يعني المدينة لأنها مهاجره ومسكنه أو بيته فيها مع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلما كان أقوى وأكمل كانت الآثار أقوى وأكمل وكلما كان المؤثر أضعف كانت الآثار أضعف وأدنى ولما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب مختلفة كانت الآثار المترتبة عليها من المعارف والكرامات والمنازل الروحانية متفاوتة أيضا وذلك هو المراد بقوله تعالى: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ والثواب الحاصل في الجنة أيضا مقدر بمقدار هذه الأحوال. فثبت أن مراتب السعادات الروحانية قبل الموت وبعد الموت ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة مختلفة فلهذا قال تعالى: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فإن قيل: أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه منها فإنه يتألم وينغص عيشه وذلك يخل بكون الثواب رزقا كريما؟ فالجواب أن استغراق كل أحد في سعاداته الخاصة به يمنعه من حصول الحقد والحسد. وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم. قوله: (هذه الحال في كراهتهم إياها) أي كون الأنفال للّه ورسوله مثل إخراجك في استثقالهم كل واحد منهما. روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما رأى كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال: «من قتل قتيلا فله كذا وكذا ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا» ليرغبهم في القتال فلما انهزم المشركون وطلب الشبان المسارعون نفلهم قال سعد بن عبادة رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه إن جماعة من أصحابك وقوك بأنفسهم ولم يتأخروا عن القتال جبنا ولا بخلا ببذل مهجهم لكنهم أشفقوا أي خافوا عليك من أن تغتال فمتى أخذ هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء. فأنزل اللّه تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يصنع فيها ما يشاء. فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة: كره بعض من الشيوخ أولا ما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تنفيل ما كان له عناء في محاربة الكفار، وكره بعض الشبان بعد ما نزلت هذه الآية انتزاع الغنائم من أيديهم وجعلها للّه ورسوله يحكم ما يشاء. والمراد كراهة الطبع كالتي تلحق الصائم في الصيف والمسافر في سفر الحج أو الغزو مع امتثال حكم الشرع طوعا ورغبة شبه اللّه تعالى رضاهم بكون قسمة الأنفال مفوضة إلى رأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسمها على ما كان يأمره اللّه تعالى به مع ما في طبعهم من الكراهة والاستثقال برضاهم بالخروج من المدينة لحرب الكفار كارهين لها.

قوله تعالى: (كَما أَخْرَجَكَ) أي كما أمرك بالخروج ودعاك إليه فإن جبريل عليه السّلام أتاه وأمره بالخروج وقوله: بِالْحَقِ متعلق بمحذوف منصوب على أنه حال من مفعول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت