حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 363
فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة ومضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوما في السنة وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بوادي ذفران فنزل عليه جبريل عليه السّلام بالوعد بإحدى الطائفتين إما العير وإما قريش. فاستشار فيه أصحابه فقال بعضهم:
هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنا خرجنا للعير. فردّ عليهم وقال: «إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل» فقالوا: يا رسول اللّه عليك بالعير ودع العدوّ فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقام أبو بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما فأحسنا ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض فيه فو اللّه لو سرت إلى عدن أبين ما تخلّف عنك رجل من الأنصار. ثم قال مقداد بن عمرو: امض لما أمرك اللّه فإنا معك حيث ما أحببت لأنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون. فتبسم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال لي أبو جهل: يا ابن عبد المطلب متى حدثت هذه النبيئة فيكم؟ قلت: وما ذلك؟ قال: الرؤيا التي رأتها عاتكة. ثم قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تنبأت نساؤكم. قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك ما قالت حقا فسيكون وإن مضى الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب بيت في العرب. قال العباس: فو اللّه ما كان مني إليه من نكير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا. ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ولم يكن عندك غيره لشيء مما سمعت.
قال: فقلت: واللّه ما كان مني إليه من نكير وأيم اللّه لأتعرضن له فإن عاد لأكفيكنه. قال:
فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب فدخلت المسجد فرأيته فو اللّه إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به وكان رجلا خفيفا حديد اللسان، إذ هو سمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره وقد جدع أنف بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر فتجهز الناس سراعا ولم يتخلف من أشراف قريش أحد إلا أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه واحدا فخرجوا سراعا. وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أصحابه فنزل جبريل وقال: «إن اللّه وعدكم إحدى الطائفتين» أي الفرقتين إحداهما أبو سفيان مع الغير والأخرى أبو جهل مع النفير إلى آخر القصة. قوله: (لو سرت إلى عدن أبين) ذكره لغاية بعده لأنه نهاية اليمن وبعده البحر، وفي المغرب أبين بالفتح اسم رجل من حمير نسب إليه