حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 364
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال: «أشيروا عليّ أيّها الناس» وهو يريد الأنصار لأنهم كانوا عددهم وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم براء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة فقام سعد بن معاذ وقال: لكأنك تريدنا يا رسول؟ قال: «أجل» . قال: «إنّا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول اللّه لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا وإنّا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل اللّه يريك منا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة اللّه. فنشّطه قوله ثم قال: «سيروا على بركة اللّه وأبشروا فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين واللّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم» . وقيل:
إنه عليه الصلاة والسّلام لما فرغ من بدر قيل له: عليك بالعير. فناداه العباس وهو في وثاقه: لا يصلح. فقال له: «لم» ؟ فقال: لأن اللّه وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك فكره بعضهم قوله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عدن لأن ذلك الرجل عدن بها أي أقام بها. قوله: (لو استعرضت بنا هذا البحر) أي لو طلبت منا أن نعبره عوضا. وخص ذلك لأنه أصعب من الطول والباء تحتمل التعدية والمصاحبة والأخير أنسب وفي الصحاح: استعرض أي طلب أن يعرض ما عنده من الأمر أي لو طلبت من البحر عرض ما عنده من الأمواج والأهوال حال ركوبك فيه ونحن في صحبتك لخضناه وما خفناه. وهذا مجاز من القول وفيه مبالغة.
قوله: (فناداه العباس وهو في وثاقه) أي في قيده كان قد خرج مع المشركين فأسر مع جملة من أسر يوم بدر. وكان قد أسلم قبل وقعة بدر إلا أنه كان يكتم إسلامه عن قومه لأنه كان له أموال متفرقة على الناس. وفي القطبية: أنه كان لم يؤمن بعد. روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي اليسر: «كيف أسرت العباس» قال: يا رسول اللّه لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا. قال رسول اللّه. «لقد أعانك عليه ملك كريم» . قوله: (لا يصلح) أي لا يصلح هذا الرأي وهو التوجه إلى العير. قوله: (فكره بعضهم قوله) الفاء فيه فاء النتيجة والتفريع أي إذا تقرر أن القصة جرت على ما ذكر فقد ظهر أن بعض الصحابة استثقلوا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل يرد بذلك أنه آثر تلقي النفير وجهاد أعداء الدين ليظهر الدين الحق على الأديان كلها وقد تمت القصة فنقل مقالة العباس رضي اللّه تعالى عنه وهو مأسور مقيد. ولما كان المقصود من إيراد القصة بيان