حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 431
إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها. فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الناكثين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من حل وحرم وَخُذُوهُمْ وائسروهم. والأخيذ الأسير وَاحْصُرُوهُمْ واحبسوهم أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام. وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ كل ممرّ لئلا ينبسطوا في البلاد. وانتصابه على الظرف فَإِنْ تابُوا عن الشرك بالإيمان وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ تصديقا لتوبتهم وإيمانهم فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك. وفيه دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلّي سبيله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) تعليل للأمر أي فخلوهم لأن اللّه غفور رحيم غفر لهم ما قد سلف ووعد لهم الثواب بالتوبة.
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ المأمور بالتعرض لهم اسْتَجارَكَ استأمنك وطلب منك جوارك فَأَجِرْهُ فآمنه حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويتدبره ويطّلع على حقيقة الأمر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تريد بالثاني عين الأول في مثله. والأشهر ههنا قد وصفت بالحرم وهي صفة مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة فيكون المراد بالمعرف ما ذكر منكرا قبل ذكره معرفة. قال بعض المفسرين منهم الكواشي: إن المراد بالأشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وسميت بذلك لأن اللّه تعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم. ولم يرض بهذا القول لكونه مخلا بانتظام حمل لفظ المعرف على المنكر واقتضائه بقاء حرمة الأشهر المذكورة وهو خلاف الإجماع. وأما إذا حمل الأشهر الحرم على الأشهر التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها فقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الآية يكون أمرا بمحاربة المشركين وقتالهم بعد انسلاخ تلك الأشهر المعينة إلى أبد الآباد. هذه الآية ناسخة لكل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء على وفق ما أجمع عليه جمهور العلماء رحمهم اللّه. قوله: (واحبسوهم أو حيلوا) يعني أن معنى الحصر المنع والمراد إما منعهم عن الخروج من المحبس أو منعهم عن البيت الحرام. وعن ابن عباس: أن المعنى أنهم إن تحصنوا فأحصروهم. والمرصد مفعل من رصده يرصده أي رقبه يرقبه وهو يصلح للزمان والمكان، والمصدر والمعقول يعيّن كونه محمولا على المكان الذي يرقب فيه العدو أي كونوا لهم راصدين لتأخذوهم من أي جهة توجهوا.
قوله تعالى: (وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) وجه ارتباطه بما قبله أنه تعالى لما أوجب قتل المشركين عند انقضاء الأشهر الحرم دل ذلك على أن حجة اللّه تعالى قد قامت عليهم وأن ما ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات يكفي في إزاحة عذرهم وعلتهم وذلك يقتضي أن أحدا من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام وإما بالقتل. فلما كان هذا الوهم يخطر بالبال لا جرم ذكر اللّه تعالى