فهرس الكتاب

الصفحة 2428 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 530

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ فيما لا يرضاه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) في إيمانهم وعهودهم أو في دين اللّه نيّة قولا وعملا. وقرئ «من الصادقين» أي في توبتهم وإنابتهم فيكون المراد به هؤلاء الثلاثة وأضرابهم.

ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عن حكمه نهي عبّر به بصيغة النفي للمبالغة وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ لا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال. روي أن أبا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في إيمانهم وعهودهم أو في دين اللّه) اختلف في الصادقين هل هو عام أو خاص بالثلاثة؟ وعلى تقدير العموم يكون المراد بالصدق الصدق في الدين برعاية جميع ما يقتضيه الدين مما يرجع إلى النيات والأقوال والأفعال والأحوال والوثوق في عهودهم للّه ورسوله على الطاعة كما في قوله تعالى: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23] وقيل: الصادقون هم الثلاثة أي كونوا مثلهم في توبتهم وإنابتهم إلا أن هذا القول يأباه كون الخطاب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عاما لجميع المؤمنين لأن أمر كافة المؤمنين بكونهم مع هؤلاء الثلاثة وكونهم مثلهم بعيد من حيث إن التكاليف الواقعة في الكتاب والسنة متوجهة على المكلفين في جميع الأزمنة إلى يوم القيامة وموافقة الثلاثة موقوفة على وجودهم. وأما إذا كان الخطاب خاصا بمن تخلف عن غزوة تبوك كما ذهب البعض إليه فحينئذ يحتمل أن يحمل الصادقين على المؤمنين بالخصوص. وفي الآية دلالة على شرف أهل الصدق وعلو درجتهم ألا ترى إلى إبليس كيف استنكف عن الكذب حيث ذكر الاستثناء في قوله: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [ص: 82 - 83] فإنه لو لم يذكر الاستثناء لكان كاذبا في ادعاء إغواء الكل، وإذا كان الكذب شيئا يستنكف عنه إبليس اللعين فالمسلم أولى أن يستنكف عنه. روي أن واحدا جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له: أريد أن أؤمن بك ولكني أحل الخمر والزنى والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها، وإن قنعت بترك واحد منها آمنت. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «اترك الكذب» فقبل ذلك ثم أسلم. فلما خرج من عنده صلّى اللّه عليه وسلّم عرضوا عليه الخمر فقال: إن أنا شربت فسألني الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد عليّ. ثم عرضوا عليه الزنى فجاء ذلك الخاطر فترك وكذا في السرقة. فعاد إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي عليّ وتاب عن الكل رأسا. قوله: (لا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه) تفسير ببيان حاصل المعنى فإن الباء في قوله:

«بأنفسهم» للتعدية فقولك: رغبت عنه معناه أعرضت عنه، وإذا قلت: رغبت بنفسي عنه فكأنك قلت: جعلت نفسي راغبة عنه. فههنا ظاهر نظم الآية ولا يجعلوا أنفسهم راغبة عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت