حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 533
تتواتر لم يفد ذلك. وقد أشبعت القول فيه تقريرا واعتراضا في كتابي المرصاد. وقد قيل:
للآية معنى آخر وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنون إلى النفير وانقطعوا عن التفقه فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة.
فيكون الضمير في «لِيَتَفَقَّهُوا» و «لِيُنْذِرُوا» لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو وفي «رجعوا» للطوائف أي ولينذر البواقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد قيل للآية معنى آخر) محصول المعنى الأول أنه تعالى بيّن أولا أن لا يمكن أن ينفر كافة الناس لإقامة مهم من المهمات الدينية. ثم إنه أمر بقوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ بأن ينفر منهم جماعة قليلة لتحصل تلك الجماعة بسبب نفرهم الفقاهة التي هي معرفة أحكام الدين وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم عرضهم أن يستكملوا بحسب قوتهم النظرية ويرشدوا قومهم حين الرجوع إليهم بالإنذار والتذكير، فضمير قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا على هذا المعنى للطائفة النافرة. وتوضيح المعنى الثاني ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خرج إلى الجهاد لا يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب علة فلما بالغ اللّه تعالى في تعييب المتخلفين عن غزوة تبوك وأنزل الآيات الشداد في حقهم قال المؤمنون: واللّه لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا عن سرية. فلما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وأسرى السرايا إلى الكفار نفر المسلمون جميعا إلى العدو وتركوه وحده بالمدينة. فنزلت هذه الآية.
والمعنى لا يجوز أن ينفر كلهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين طائفة تبقى في خدمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وطائفة أخرى تنفر إلى الجهاد لينتظم بكل واحدة من الطائفتين مصلحة من مصالح الدين لأن انتظام أمر الدين في ذلك الزمان كما يتوفق على من يقوم بجهاد الكفار يتوقف على من يقوم أيضا بحضرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليتعلم ما نزل في زمان نفير المجاهدين من الشرائع والتكاليف ويبلغها للغائبين. وبهذا الطريق يتم أمر الدين حيث ناب كل طائفة مناب الطائفة الأخرى نابت الطائفة النافرة للغزو مناب الطائفة المقيمة في أمر الغزو، ونابت الطائفة المقيمة مناب النافرين في أمر التفقه. فالطائفة المقيمة هم الذين يتفقهون في الدين لملازمتهم خدمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومشاهدتهم ما ورد من التنزيل فكما ورد وكيف شرع عرفوه وحفظوه، فإذا رجعت الطائفة من الغزو أنذرتهم الطائفة المقيمة ما تعلموه من الشرائع والتكاليف. وهذا لا بد فيه من إضمار والتقدير: فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة أخرى ليتفقه المقيمون في الدين. وأشار المصنف إليه بقوله: «فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد