حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 540
القول والنية. قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا يعنون الكتاب وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسّلام. لَسِحْرٌ مُبِينٌ (2) وقرأ ابن كثير والكوفيون «لساحر» على أن الإشارة إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول أمورا خارقة للعادة معجزة إياهم عن المعارضة. وقرئ «ما هذا إلا سحر مبين» .
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ التي هي أصول الممكنات. فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيئ بتحريكه أسبابها وينزلها منه. والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة. ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ تقرير لعظمته وعز جلاله ورد على من زعم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند اللّه وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له.
ذلِكُمُ اللَّهُ أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يؤيد الاحتمال الأول، وإن كان القدم سببا للوصول إلى المنازل السابقة كما أنها سبب لنفس السبق أيضا. ثم إنه تعالى لما أجاب عن تعجب الكفار من الوحي والبعثة بقوله: «أكان للناس عجبا» أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب وينذرهم على الأعمال الفاسدة بالعقاب. وكان هذا الجواب موقوفا على ثبوت أمرين: الأول أن يكون لهذا العالم إله قادر نافذ الحكم والتكليف، والثاني أن يتحقق البعث بالحشر والقيامة حتى يحصل الثواب والعقاب. أثبت الأمر الأول بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فإنها لكونها أمورا محكية في ذواتها وصفاتها محتاجة إلى ما يرجح جانب وجودها واختصاصها بفلك معين ووصف معلوم، وذلك المرجح يجب أن يكون واجب الوجود لذاته متحليا بجميع نعوت الجلال والجمال متخليا عن صفات العجز والنقصان. وأثبت الأمر الثاني بقوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فإن قيل: قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقا للسموات والأرض في ستة أيام أمرا معلوما عند العرب وهم لا يعلمون ذلك، فكيف يحسن هذا التعريف؟ فالجواب أن ذلك أمر معلوم مشهور عند اليهود والنصارى والعرب كانوا يخالطونهم والظاهر أنهم سمعوه منهم فلهذا السبب حسن هذا التعريف. قوله: (في ستة أيام) أي في مقدارها لأن اليوم عبارة عن زمان مقدر مبتدأه طلوع الشمس ومنتهاه غروبها، فكيف يكون يوم حين لا شمس ولا سماء؟ ويحتمل أن يكون المراد بالأيام الأوقات مطلقا كما في قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [الأنفال: 16] أي وقتئذ. واتفق المسلمون على أن فوق السموات جسما عظيما هو العرض المحيط بسائر الأجسام وقد يطلق العرش ويراد به الملك، ويقال: فلان على عرشه أي ملكه. وقد يطلق على البناء كما في قوله تعالى: