حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 610
كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم على حكاية الحال الماضية.
كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) كذلك الإنجاز أو إنجاء كذلك ننجي محمدا وصحبه حين نهلك المشركين. و «حَقًّا عَلَيْنا» اعتراض ونصبه بفعله المقدر. وقيل: بدل من «كذلك» قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لأهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي وصحته فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ فهذا خلاصة ديني اعتقادا وعملا فاعرضوها على العقل الصرف وانظروا فيها بعين الإنصاف لتعلموا صحتها، وهو أني لا أعبد ما تختلقونه وتعبدونه ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) بما دل عليه العقل ونطق به الوحي وحذف الجار من أن يجوز أن يكون من المطّرد مع «أن» وأن يكون من غيره كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نسب
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ عطف على «أَنْ أَكُونَ» غير أن صلة «أن» محكية بصيغة الأمر ولا فرق بينهما في الغرض لأن المقصود وصلها بما يتضمن معنى المصدر لتدل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علم منا أنه لو حاول فعل أمر منع من فعله وتركه قهرا لم يكن تركه لذلك الفعل سببا لاستحقاق المدح والثواب، فكذا ههنا. فتفسير الآية على طريق أهل السنة أنه تعالى أخبر عن كمال قدرته ونفوذ مشيئته فقال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ولكن شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان وشاء أن من علم منه أنه يختار الكفر لا يؤمن به فقد أخبر اللّه تعالى بنفاذ مشيئته في جميع خلقه. قوله: (من المطّرد مع أن) أي بالاعتبار الأول مطرد وبالاعتبار الثاني غير مطرد. فيمكن أن يجعل حذف حرف الجر فيه مبنيا على كل واحدة من القاعدتين. قوله: (ولا فرق بينهما) بين أن يكون صلة «أن» خبريا أو طلبيا.
وهو جواب عن الإشكال الذي أورده الزمخشري على كون «وَ أَنْ أَقِمْ» معطوفا على «أَنْ أَكُونَ» وهو أن «إِنْ» في قوله: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ إما أن تكون مفسرة أو موصولة كالأولى ولا سبيل إلى شيء منهما. أما إلى الأول فلأن الأولى مع صلتها مأمور بها فلو كانت المفسرة عطفا عليها لكانت أيضا مأمورا بها والمأمور به لا يكون تفسيرا للآمر، وأيضا هي مع صلتها مفعول والمفسرة لا تقع مفعولا، وأيضا يلزم تقدير حرف الجر فيها كما في الموصولة. وأما إلى الثاني فلأن الصلة يجب أن تكون خبرا كما في الموصول الاسمي وهو التي وأخواتها ويسمى نحو: «أن» و «ما» المصدريتين و «أن» المشبهة و «كي» موصولا حرفيا لكونها مع الجملة التي بعدها في تأويل المفرد، فإذا وقع في التركيب يكون له محل