حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 617
يعيشكم في أمن ودعة إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو آخر أعماركم المقدرة أولا يهلككم بعذاب الاستئصال والأرزاق والآجال. وإن كانت متعلقة بالأعمال لكنها مسماة بالإضافة إلى كل أحد فلا تتغير. وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: أن لا تَعْبُدُوا فيجب أن يكون معناه أن لا تعبدوا إلا اللّه ليكون الأمر معطوفا على النهي، فإن كونه بمعنى لأن لا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه. والجواب عنه أن قوله: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا لما كان معطوفا عليه كان «أن» فيه أيضا كذلك، وقد سبق أنه يجوز وصلها بالأمر والنهي وإن فاته معنى الأمر والنهي عند التقدير بالمصدر كفوات معنى الماضي والمستقبل عنده، كأنه قيل: لأجل تخصيص العبادة باللّه ولأجل الاستغفار أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ويجوز أن لا يكون قوله: أن لا تَعْبُدُوا متصلا بما قبله بل يكون منقطعا عنه مقولا على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون فيه «أن» مصدرية فلهذا قدره بقوله: «ترك عبادة غير اللّه بمعنى ألزموا تركها» فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه وأضيف إلى المفعول والاستغفار هو أن يستر على العبد ذنوبه في الدنيا ويتجاوز عن عقوبته في الآخرة. ولما ورد أن يقال: الاستغفار هو التوبة فما معنى إيراد «ثم» بين الشيء ونفسه؟ أشار إلى دفعه بأن جعل التوبة هي الرجوع عن الضلال مجازا عن التوصل إلى المطلوب بطريق إطلاق السبب على المسبب، وجعل كلمة «ثم» قرينة للمجاز لأن التوصل إلى المطلوب يتراخى عن الرجوع إلى الطريقة.
قوله: (يعيشكم) مجزوم لكونه تفسيرا لما هو جواب الأمر. يقال: أعاشه عيشة راضية، والدعة الراحة. واعترض على تفسير الأجل المسمى بآخر الأعمار المقدرة بأن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» وقوله: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وقوله تعالى: وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: 33] يدل على أن نصيب المطيع عدم الراحة في الدنيا فكيف الجمع بين هذه النصوص، وبين أن تفسير هذه الآية بأن يقال: يعيشكم في أمنة وسعة إلى الموت؟ وأجيب بأن المؤمن إنما يشتغل باستغفار ربه وطاعته لإيثاره طاعة ربه على هوى نفسه، ولكون راحته واطمئنان قلبه في الاشتغال بطلب ربه وبتفويضه جميع أموره إليه ثقة بإطلاعه على جميع أحواله واعتمادا على ضمانه بكفاية مهماته بقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3] ومن كان هذا شأنه لا جرم يعيش في أمن وراحة لكونه راضيا عما قضاه اللّه تعالى في حقه، بخلاف من ربط قلبه بغير اللّه تعالى من الأسباب فإنه أبدا في ألم الخوف من فوات محبوبه وزواله فكان عيشه منغصا وقلبه مضطربا. وقيل: الجواب ليس معنى قوله: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا أنه تعالى يعيشكم في أمن وسعة إلى أجل مسمى بل