حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 90
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ مبتدأ وخبر ويجوز أن يكون الموصول صفة والخبر يدبر الأمر. بِغَيْرِ عَمَدٍ أساطين جمع عماد كإهاب وأهب أو عمود كأديم وأدم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يثبت بالسنة والإجماع والقياس فإن الحكم المثبت بواحد منها وإن لم يثبت بنص القرآن العظيم صريحا لكنه يثبت ضمنا من حيث كونه أصلا يستند إليه كل واحد من الأدلة الثلاثة المذكورة وينطق بحسن اتباع كل واحد منها ويقرر حجتها. قال الإمام: ومن الناس من تمسك بقوله تعالى: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ في نفي القياس فقال: الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من عند اللّه تعالى وقد قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: 44] مع أنهم لا يكفرون بالإجماع فثبت أن الحكم المثبت بالقياس غير نازل من عند اللّه تعالى. وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون حقا لأن قوله تعالى:
وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ يقتضي انحصار الحق في المنزل من عند اللّه تعالى وأنه لا حق إلا ما أنزل اللّه تعالى فكل ما لم ينزله وجب أن لا يكون حقا، وإذا لم يكن حقا وجب أن يكون باطلا لقوله تعالى: فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ثم قال: ومثبتوا القياس يجيبون عنه بأن الحكم المثبت بالقياس نازل من عند اللّه تعالى أيضا لأنه لما أقر العمل بالقياس كان الحكم الذي يدل عليه القياس نازلا من عند اللّه تعالى. انتهى. ثم إنه تعالى لما ذكر أن المنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الحق بيّن أن أكثر الناس لا يؤمنون به وبكونه حقا منزلا من عند اللّه تعالى على سبيل الزجر والتهديد. ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وهو قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي أنشأها مرفوعة لا أنها كانت موضوعة فرفعها ولكن جعلها في الابتداء مرفوعة، كما تقول للخياط: وسع كم القميص ولحافر البئر ضيق فم البئر، ودلالته على التوحيد ظاهرة فإنه لا يقدر على رفع ما فيه سعة وبعد بغير عمد ترى إلا الواحد القهار القادر على كل شيء. وأما دلالته على المعاد فلأن من قدر على رفع السماء مع سعتها وبعدها بلا عمد ترى لقادر على إعادة الخلق وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها وبعدها بلا عمد أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه إذ في الشاهد من يقدر على إعادة ما فني ولا يقدر على رفع سقف ذي سعة وبعد بغير عمد. قوله: (أو عمود كأديم وأدم) جعل فعول كفعيل في أن يجمع على فعل بفتحتين، وفيه بحث لأن كل وزن له خصوصية يختص بها فلا يلزم من جمع فعيل على فعل أن يجمع عليه فعول. وإن قرئ «عمد» بضمتين يكون مفرده عمادا نحو: كتاب وكتب وشهاب وشهب.
وقوله: بِغَيْرِ عَمَدٍ في محل النصب على أنه حال من «السماوات» أي رفعها خالية عن عمد، و «ترونها» في محل الجر على أنه صفة «لعمد» فيكون الضمير المنصوب فيه راجعا إلى «عمد» . والمعنى: رفعها خالية عن عمد مرئية وانتفاء العمد المرئية يحتمل أن يكون لانتفاء