فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 102
بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى:
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فإنه تعالى خصّ كل حادث بوقت وحال معينين وهيّأ له أسبابا مسوقة إليه تقتضي ذلك.
عالِمُ الْغَيْبِ الغائب عن الحس وَالشَّهادَةِ الحاضر له الْكَبِيرُ العظيم الشأن الذي لا يخرج عن علمه شيء الْمُتَعالِ (9) المستعلي على كل شيء بقدرته أو الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه.
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ في نفسه وَمَنْ جَهَرَ بِهِ لغيره وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ طالب للخفاء في مختبا بالليل وَسارِبٌ بارز بِالنَّهارِ (10) يراه كل أحد من سرب سروبا إذا برز وهو عطف على «من» أو «مستخف» على أن «من» في معنى الاثنين كقوله: نكن مثل من ياذئب يصطحبان. كأنه قال: سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار. والآية متصلة بما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كونهما متعديين أو لما فيها على تقدير كونهما لازمين، فإن كل واحد من الغيوض والزيادة ليس لنفس الأرحام بل لما فيها. قوله: (فإنه تعالى خصّ كل حادث الخ) إشارة إلى أن قوله تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ المراد منه أن كل شيء في حكمه وإرادته مختص بوقت وحال. وقيل: يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ومعناه أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المعين فيمتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات. ثم إنه تعالى احتج على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات بقوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ الآية فقوله:
«مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ» مبتدأ و «مَنْ جَهَرَ» عطف عليه و «سَواءٌ» خبر المبتدأ قدم عليه و «مِنْكُمْ» حال من الضمير المستتر في «سَواءٌ» لأنه بمعنى مستو. ولم يثن الخبر مع أنه خبر عن شيئين لأنه في الأصل مصدر وإن كان هنا بمعنى مستو والاستواء يقتضي شيئين. فمعنى الآية الإنسان سواء كان أضمر القول في نفسه أو أظهره بلسانه، وسواء كان مستخفيا في الظلمات أو ظاهرا في الطرقات فعلم اللّه تعالى محيط بالكل. قوله: (وهو عطف على من أو على مستخف على أن من في معنى الاثنين) جواب عما يقال: إن الاستواء يقتضي شيئين فكيف يصح أن يعطف «سارِبٌ» على قوله: «مُسْتَخْفٍ» مع أنه مستلزم تحقق الأشياء بالاستواء في شخص واحد له صفتان: الاستخفاء والبروز؟ وذلك لأن جملة قوله تعالى: مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ معطوفة على جملة قوله تعالى: مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وهما مبتدأ حكم عليهما بالاستواء فلما عطف عليه قوله تعالى: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ لزم أن يكون هذا المعطوف أيضا محكوما عليه بالاستواء وهو شخص واحد له صفتان. فحق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار ليتحقق شيئان يحكم عليهما بالاستواء. وأجاب المصنف عنه رحمه اللّه بوجهين: تقرير الأول ما ذكر إنما يلزم أن لو كان و «سارب» معطوفا على قوله: «مستخف» وليس كذلك،