فهرس الكتاب

الصفحة 2768 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 138

لكنه رفع لإفادة الثبات.

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ يختارونها عليها، فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره. وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بتعويق الناس عن الإيمان. وقرئ و «يصدون» من أصده وهو منقول من صدّ صدودا إذا تنكب وليس فصيحا لأن في صدّه مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة.

وَيَبْغُونَها عِوَجًا ويبغون لها زيغا ونكوبا عن الحق ليقدحوا فيه فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته. يحتمل الجر صفة للكافرين والنصب على الذم والرفع عليه أو أنه مبتدأ خبره. أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) أي ضلوا عن الحق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عقيبه الصفات كما في قوله: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ [الحشر: 24] وأما إذا عكس هذا الترتيب بأن يقال: لهو الخالق البارئ اللّه فذلك ترتيب بعيد مما هو الشائع المتعارف. فمن قطع لفظ الجلالة عما قبله وقرأه مرفوعا إما على الابتداء أو الخبرية لمحذوف فلا كلام في قراءته. وأما من قرأ بالجر عطفا على «الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» فيرد عليهم أن اتباع الاسم للصفة خلاف الترتيب الشائع بين القوم. ولهم أن يقولوا: إنه تعالى لما أراد تفخيم الصراط الذي يدعو الناس إليه بالإضافة إلى العزيز الحميد ووقعت الشبهة في أن ذلك العزيز الحميد من هو بناء على أن الكفار بما وصفوا الصنم بكونه عزيزا حميدا عطف عليهما عطف بيان قوله:

اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إزالة لتلك الشبهة وإيضاحا للمتبوع. قوله:

(لكنه رفع) على أنه مبتدأ و «للكافرين» خبره وجاز الابتداء بالنكرة لأنه دعاء كسلام عليكم مع أنه موصوف بقوله: مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ فإنه متعلق بمحذوف هو صفة كأنه قيل: وويل كائن من عذاب شديد مستقر للكافرين، ولا يجوز أن يتعلق بنفس ويل لأجل الفصل بينهما بالخبر. وقد تقرر في النحو أنه لا يجوز الفصل بين المصدر ومعموله.

قوله: (فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها) فإن استحباب الشيء طلب محبته. عبّر عن اختيار الشيء باستحبابه لما في اختياره من شائبة طلب كونه أحب إليه من غيره. والظاهر أن استحباب الشيء أبلغ من اختياره في الدلالة على كون ذلك الشيء محبوبا لأن اختيار الشيء إنما يدل على مجرد ترجيح ذلك الشيء وعده خيرا بخلاف الاستحباب، فإنه يدل على كون حب الشيء مطلوبا له ومحبوبا عنده وهو نهاية المحبة.

فقوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيا وهو نهاية الضلال لأنها إنما تنشأ عن الغفلة عن حقيقة الحياة الأخروية والاشتغال بأدنى لذات الحياة العاجلة التي لا حاصل لها في الحقيقة لأن ما في هذه الحياة من اللذات لا حاصل له في الحقيقة إلا دفع الآلام بخلاف اللذات الأخروية، فإنها في أنفسها لذات محضة. ثم إنه زاد على ما يدل على ضلالهم في أنفسهم فقال: وَيَصُدُّونَ فمن كان موصوفا باستحباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت