حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 139
ووقعوا عنه بمراحل والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته.
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ إلا بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ما أمروا به فيفقهوه عنه بيسر وسرعة ثم ينقلوه ويترجموه لغيرهم فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم. ولذلك أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدنيا فهو ضال ومن كان في نفسه منع الغير من الوصول إلى سبيل اللّه تعالى ودينه فهو مضل. ثم زاد على وصفهم بإضلال الغير بصده عن الوصول إلى الصراط المستقيم فقال:
وَيَبْغُونَها عِوَجًا فإن السعي في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق والجد في تقبيحه بكل ما يقدر عليه من الحيل هو نهاية الضلال والإضلال. قوله: (والبعد في الحقيقة) جواب عما يقال: القرب والبعد لا يوصف بهما إلا الأماكن والتمكن فيها والضلال ليس منهما فكيف وصف بقوله: بَعِيدٍ؟ أجاب عنه أولا بأن البعد في الحقيقة للضلال لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق والمقصد، فوصف به فعله إسنادا مجازيا على طريق جد جده. وثانيا بأن البعد صفة للأمر الذي به الضلال عن الحق تنزيلا له منزلة المكان الذي وقع فيه الضلال فأسند البعد إلى سببه للملابسة بينهما. قوله: (إلا بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم) تخصيص قوم الرسول بمن هو منهم وبعث فيهم يظهر منه أنه ليس المراد منه جميع من بعث إليهم من أمة دعوته، لأن رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى الناس كافة بل إلى الثقلين مع أنه لم يرسل إلا ملتبسا بلسان العرب خاصة. والذي يخطر ببالي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنها جواب عما يرد على قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ وهو أن تعريف الناس للاستغراق لقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: 158] وما أنزل إليه عليه الصلاة والسّلام بلسان العرب خاصة فكيف يخرج به جميع الناس من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان؟ فأجاب عنه بقوله: وما أرسلنا من رسول إلى الأمم التي اختلفت ألسنتهم إلا بلغة قومه الذي هو منهم إذ لا حاجة إلى أن ينزل إلى كل قوم كتاب ملتبس بلغة ذلك القوم لأن ذلك ينوب ويكفي عن التطويل اللازم من ذلك. فإذا أنزل بلسان واحد من الأقوام كان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأن قومه أقرب الناس إليه فكان حقهم عليه أقدم، وكان الأولى أن يدعوهم إلى الحق أولا وينذرهم عن المخالفة والعصيان حتى إذا فهموا منه يبنون ما أرسل به إليهم ويترجمون لغيرهم ما فهموه منه فتنتشر دعوته بذلك إلى أطراف العالم. قوله تعالى: (إلا بلسان قومه) في موضع النصب على الحال أي إلا متكلما أو ملتبسا بلسان وهو على وزن كتاب. وقرئ في الشواذ «بلسن قومه» بكسر اللام وسكون السين وهو لغة في اللسان. وقيل: اللسان يطلق على العضو المعروف وعلى