حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 144
إِلَّا اللَّهُ جملة وقعت اعتراضا أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله ولا يعلمهم اعتراض. والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا اللّه، ولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: كذب النسابون. جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ فعضوها غيظا مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسّلام كقوله تعالى:
عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران: 119] أو وضعوها عليها تعجبا منه أو استهزاء عليه كمن غلبه الضحك أو إسكانا للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أو أمرا لهم بإطباق الأفواه وأشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: «إنا كفرنا» تنبيها على أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدل من الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أو عطف بيان له ثم قال: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ وذكر المصنف فيه احتمالين: الأول أن يكون قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مبتدأ وقوله:
لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ خبره وتكون الجملة الاسمية معترضة بعد الكلام على ما جوّزه صاحب الكشاف، أو بين الحال وصاحبها أن جعل قوله تعالى: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ حالا من الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ على مذهب من يجوّز انتصاب الحال من المضاف إليه. وفائدة الاعتراض التنبيه على كثرة الأمم المتقدمين كأنه قيل: إن من بعدهم بلغ من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا اللّه فكيف بالمجموع. والاحتمال الثاني أن يكون قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ معطوفا على ما قبله وهو قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ويكون قوله: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ اعتراضا لبيان كثرة من قبلهم والمعنى: ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذين لا يعلم عددهم إلا اللّه لكثرتهم. وقول المصنف: «والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا اللّه» بيان للمعنى على الاحتمالين لكن يختلف مرجع ضمير أنهم بحسب الاحتمالين، فإن المعنى على الاحتمال الأول: أن الذين من بعدهم بلغوا من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا اللّه فيكون المقصود الترقي في بيان كثرة من قبلهم، كأنه قيل: ألم يأتكم نبأ هؤلاء ومن لا يحصي عددهم ممن بعدهم فهو بمنزلة أن يقال: دع التفصيل فإنه لا مطمع في الحصر. وفيه لطف من حيث إنه يوهم الجمع بين الإجمال والتفصيل ولهذا قدم هذا الاحتمال في الذكر.
والمعنى على الثاني: أن الذين من قبلكم لكثرتهم لا يعلمهم إلا اللّه فيكون حاصل المعنى ما مر من قولنا: ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الخ. قوله: (ولذلك) أي ولكون المعنى على الاحتمالين تكثير المتقدمين بحيث لا يعلم عددهم إلا اللّه. كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول: كذب النسابون، يعني أنهم يدعون علم الإنساب ويوصلونها إلى آدم عليه السّلام.
وقد نفى اللّه تعالى علمها عن العباد حيث بيّن أن فيمن قبلكم أقواما كذبوا رسلهم فأهلكوا ولم يبلغ إليكم خبرهم فلا يعلمهم إلا اللّه. ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: 38] وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا [الفرقان: 39] وقوله تعالى: مِنْهُمْ مَنْ