حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 146
أوحي إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه. وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ من الإيمان. وقرئ «تدعونا» بالإدغام مُرِيبٍ (9) موقع في الريبة أو ذي ريبة وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الشيء.
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌ أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام في المشكوك فيه لا في الشك أي إنما ندعوكم إلى اللّه وهو لا يحتمل الشك لكثرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي على أن يكون الأيدي جمع يد بمعنى النعمة كالأيادي، وإن كان أكثر استعمال الأيدي في الجوارح والأيادي في النعم. قال الشاعر:
سأشكر عمرا أن تواصل منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
قوله: (لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه) إشارة إلى أن الأيدي إلى الأفواه من قبيل التمثيل قطعا على تقدير أن يكون المراد رد أيادي الأنبياء إلى أفواههم لامتناع رد أحكام الأنبياء وشرائعهم إلى أفواههم حقيقة، فوجب حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية بأن مثل رد الكفار، مواعظ رسلهم برد الكلام الخارج من الفم إلى الفم، فقيل: ردوا أيديهم أي مواعظهم في أفواههم على نحو ما ذكر آنفا. قوله: (على زعمكم) يعني أن المعنى إنّا كفرنا بما زعمتم أن اللّه أرسلكم به. وإنما قال ذلك لأنهم لا يقرون بأنهم أرسلوا.
قوله: (موقع في الريبة) على أن يكون مريب من أرابني فلان إذا أوقعك في الريبة ورأيت منه ما تكرهه. قوله: (أو ذي ريبة) على أن يكون من أراب الرجل بمعنى صار ذا ريبة. قيل: قولهم: وَإِنَّا لَفِي شَكٍ بعدما قالوا: إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ مشكل لأن الشك ينافي الجزم بالكفر بقولهم: إِنَّا كَفَرْنا سيما وقد أكدوا كفرهم بأنّا وأجيب بأن الواو ههنا بمعنى أو أي أحد الأمرين لازم وهو الكفر برسالتكم جزما وإن لم ندع هذا الجزم واليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. ويندفع الإشكال بأن يقال: تحقق الكفر والجزم به لا ينافي شكهم في نبوته عليه السّلام وفي حقية ما دعاهم إليه لأن الشاك لا إيمان له فيكون كافرا قطعا كالمنكر، فيكون قولهم: وَإِنَّا لَفِي شَكٍ بعد تحقق كفرهم بقولهم: إِنَّا كَفَرْنا لبيان أن طريق كفرهم هو الشك دون الإنكار. قوله: (أدخلت همزة الإنكار على الظرف) مع أن الظاهر أن يقال: أشك في اللّه لأن تقديم الظرف يوهم الاختصاص فيكون مدلول الكلام إنكار تخصيص الشك في اللّه وإثباته في غير اللّه. ولا شك أن إثبات الشك في غير اللّه ليس بمقصود من