فهرس الكتاب

الصفحة 2812 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 182

لِيُعَذِّبَهُمْ [الأنفال: 33] على أن الجبال مثل لأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونحوه. وقيل: مخففة من الثقيلة والمعنى أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتا وتمكنا من آيات اللّه تعالى وشرائعه. وقرأ الكسائي «لنزول» بالفتح والرفع على أنها المخففة واللام هي الفاصلة ومعناه تعظيم مكرهم. وقرئ بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي. وقرئ «وأن كان كاد مكرهم» .

فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ مثل قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غافر: 51] كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: 21] وأصله مخلف رسله وعده

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منها، فإن اللام حينئذ هي لام الجحود التي ينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن» لوقوعها بعد كون منفي وخبر «كان» محذوف عند البصريين تتعلق به هذه اللام والتقدير: وما كان مكرهم مريدا لإزالة ما هو كالجبال لأن انتفاء إرادة الفعل آكد من انتفاء نفس الفعل. وهو معنى قوله: «اللام مؤكدة لأن النافية» كما أن قوله: «ما كان اللّه مريدا لتعذيبهم» آكد من قولك: ما كان اللّه يعذبهم. وعلى تقدير كونها مخففة من الثقيلة تكون اللام فارقة بين النافية والمخففة ويكون المقصود تعظيم مكرهم، لأن ما فعل لإزالة ما هو كالجبال الراسية في الثبات والقوة يكون في غاية الشدة والقوة بخلاف ما إذا كانت نافية، فإن المعنى حينئذ حصر مكرهم ببيان أنه ما كان مكرهم بحيث تزول منه الشرائع التي هي كالجبال لأنه تعالى وعد نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم إظهار دينه على كل الأديان فكيف يزول أمره الذي هو دين الإسلام بمكرهم؟ فإن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ودلائل شريعته. ويؤيد صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ أي قد وعدك الظهور عليهم فلا يخلف وعده بمكرهم وقوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَ على جميع التقادير الظاهر أنه جواب شرط محذوف أي إذا تقرر أن مكرهم مكتوب عند اللّه وهو مجازيهم عليه فَلا تَحْسَبَنَ أو إذا تقرر أن مكرهم أوهن من أن يزول منه أمرك الذي هو أثبت وأقوى من الجبال الراسيات فَلا تَحْسَبَنَّ. قوله: (مثل قوله إنا لننصر رسلنا) يعني أن المراد بالوعد قوله تعالى في غير هذا الموضع: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ويحتمل أن يكون المراد به ما يفهم من قوله في هذا الموضع وعند اللّه مكرهم، فإنه على التقديرين دالّ على أنه تعالى يجازيهم على مكرهم وينصر رسوله عليهم.

قوله: (وأصله مخلف رسله وعده) لأن فعل الإخلال يتعدى إلى مفعولين: أولهما الموعود له وهو ههنا الرسل وحق المفعول الأول أن يقدم على الثاني يقال: أخلفه ما وعده وهو ههنا الرسل، لكن قدم المفعول الثاني وأضيف إليه اسم الفاعل تخفيفا نحو: هذا الكاسي جبة زيدا. قيل: لما تعدّى الفعل إليهما لم يبال بالتقديم والتأخير. والإخلاف أن يقول شيئا ولا يفعله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت