حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 183
فقدّم المفعول الثاني إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: 9] وإذا لم يخلف وعده أحدا فكيف يخلف رسله؟ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يماكر قادر لا يدافع ذُو انتِقامٍ (47) لأوليائه من أعدائه.
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ بدل من يوم يأتيهم أو ظرف للانتقام أو مقدر «باذكر» أو لا يخلف وعده. ولا يجوز أن ينتصب «بمخلف» لأن ما قبل «أن» لا يعمل فيما بعده. وَالسَّماواتُ عطف على «الأرض» وتقديره والسماوات غير السماوات والتبديل يكون في الذات كقولك: بدلت الدراهم بالدنانير وعليه قوله:
بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها [النساء: 56] وفي الصفة كقولك: بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وغيره شكلها وعليه قوله: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: 70] والآية تحتملهما.
فعن علي رضي اللّه تعالى عنه: تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب. وعن ابن مسعود وأنس رضي اللّه تعالى عنهما: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة. وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها. ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تبدل الأرض غير الأرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا» . واعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتبديل أرضا وسماء على الحقيقة ولا يبعد على الثاني أن يجعل اللّه الأرض جهنم والسماوات الجنة كما أشعر به قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: 18] وقوله: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: 7] وَبَرَزُوا من أجداثهم لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48) لمحاسبته ومجازاته وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة كقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا) اعترض عليه بأنه لما كان رُسُلَهُ مفعولا كان إخلاف الوعد مقيدا به سواء قدم على الوعد أو أخر فلم يكن إخلاف الوعد مطلقا ثم قيد برسله؟ وأجيب بأن المفعول الثاني حقه التأخير فلما قدم دل على أنه أوهم والعناية بشأنه أتم، فالمقصود الأصلي من الكلام ليس إلا نفي إخلاف الوعد. وأما نفي خلف وعد الرسل فهو شيء متفرع على ذلك لأنه لما لم يكن من شأن اللّه تعالى إخلاف الوعد كان عدم إخلافه وعد من هو خيرته وصفوة عبيده تابعا له وثابتا بطريق الأولى. ونظيره في تقديم المفعول الثاني على الأول للاهتمام بشأنه قوله تعالى في سورة الأنعام: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ [الأنعام: 100] فإنه قدم الشركاء ليدل على أن المقصود الأصلي استعظام اتخاذ الشركاء ونفي شركاء الجن تابع لهذا المقصود ومتفرع عليه. قوله تعالى: (وَ بَرَزُوا) معطوف على قوله: تُبَدَّلُ الْأَرْضُ وهو ماض يراد به الاستقبال كقوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ