فهرس الكتاب

الصفحة 2823 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 193

من أهل الخذلان وأن نصحهم بعد اشتغال بما لا طائل تحته. وفيه إلزام للحجة وتحذير عن إيثار التنعم وما يؤدي إليه طول الأمل.

وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4) أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ. والمستثنى جملة واقعة صفة «القرية» . والأصل أن لا تدخلها الواو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آيات هذه السورة الكريمة بما ينبئ عن بلوغها إلى أقصى درجات الكمال وحكي عن المشركين أنهم بالغوا في التكذيب حتى قالوا على سبيل خطاب المواجهة: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ سلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا والمعنى: هون على نفسك فإنك بالغت في الإرشاد والإنذار وهم أيضا أفرطوا في التكذيب والإنكار فهم قوم جهلة عديمو الدراية والاعتبار فإنهم لو كانوا يودون الإسلام مرة فالحري أن يسارعوا إليه فكيف وهم يودونه كل ساعة. وإذا كان كذلك فاقطع طمعك في إرعوائهم ودعهم من النهي عما هم عليه من الاغترار بالحظوظ العاجلة وعدم الالتفات إلى ما يؤدي إلى سعادة الآخرة واللذة الباقية، بل مرهم أمر تهديد بأكل الطعام والتمتع فيها أياما قلائل فسوف يعلمون سوء صنعهم. قوله: (وفيه إلزام الحجة) أي في قوله: ذَرْهُمْ مع تخصيص الأكل والتمتع بالمشتهيات والتملي بالأمل بالذكر، فإن تخلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم وبين ما يشتهون وصده عن إنذارهم ودعوتهم إلى الحق لا يكون إلا عند تكرر الإنذار والجحود إلى أن يحصل اليأس من الإيمان. كأنه قيل: قد بالغت في الإنذار وألزمت الحجة فدعهم بعد ذلك إلى أن يعاينوا جزاء إصرارهم وعنادهم. فقوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ليس أمر تكليف بل هو على طريق التهديد والتوعيد والإبلاغ في الوعيد والتأكيد كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت: 40] وقوله تعالى: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ [الحجر: 3] أي يشغلهم ما يؤملون من أمور الدنيا عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة، يقال: ألهاه الشيء أي شغله وأنساه. ثم إنه تعالى لما هدد المكذبين المعاندين بقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بيّن أن تأخير العذاب ليس مبنيا على الإهمال بل هو إمهالهم ليبلغوا الأجل المقدر لهم فقال: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ أي من أهل قرية قبل أن يبلغوا أجلهم، فهذا الإمهال لا ينبغي أن يعجل به العاقل لأن العذاب مؤخر وأن كل أجل له وقت معين لنزوله لا يتقدم ولا يتأخر. قوله: (والمستثنى جملة واقعة صفة لقرية) لأن قوله: إِلَّا وَلَها كِتابٌ استثناء مفرغ من الصفة. وتقدير الكلام: وما أهلكنا من قرية على أي صفة إلا على صفة أنها لها كتاب معلوم ولأنه في قوة قوله: «أهلكنا قرية لها كتاب معلوم» فلها كتاب معلوم صفة لقرية. قوله: (والأصل أن لا تدخلها الواو) يعني أن القياس أن لا يتوسط العاطف بين الصفة والموصوف لشدة اتصالها به، لكن لما كانت الصفة كالحال في المعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت