فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 222
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (50) فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد وتقرير له. وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها. وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده. وفي عطف
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51) على نبّئ عبادي تحقيق لهما بما يعتبرون به.
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا أي نسلّم عليك سلاما أو سلّمنا سلاما قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) خائفون. وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت أو لأنهم امتنعوا من الأكل. والوجل اضطراب النفس لتوقّع ما تكره.
قالُوا لا تَوْجَلْ وقرئ «لا تاجل» و «لا توجل» من أوجله «ولا تواجل» من واجله بمعنى أوجله. إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، فإن المبشر لا يخاف منه. وقرأ حمزة «نبشرك» من البشر بِغُلامٍ هو إسحاق عليه السّلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تحقيق لهما بما يعتبرون به) فإنه تعالى لما ذكر أن ضيف إبراهيم بشّروه بالولد بعد الكبر وبإنجاء المؤمنين من قوم لوط من عذاب الاستئصال وإهلاك الآخرين على أسوأ الأحوال، كان ذلك تحقيقا وتقريرا لما قبله من أنه غفور رحيم للمؤمنين وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار. والضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب القرى، ثم سمي به. وأطلق على الملائكة ضيفا مع امتناعهم من الأكل وطلب القرى من حيث إن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ظنهم أضيافا لدخولهم عليه على صورة الأضياف. قوله تعالى:
(إِذْ دَخَلُوا) فيه وجهان: أحدهما أنه مفعول به لفعل مقدر أي اذكر إذ دخلوا، والثاني أنه ظرف محذوف أي اذكر خبر ضيفه إذ دخلوا أو ظرف لنفس «ضيف» بناء على أنه كان في الأصل مصدرا فاعتبر ذلك فيه. ويدل على اعتبار مصدريته بعد جعله اسما وصفهم به وعدم مطابقته لما قبله تثنية وجمعا وتأنيثا في الأغلب.
قوله: (أو لأنهم امتنعوا من الأكل) فإنه قد كانت عادتهم أنه إذا أكل من يطرقهم طعامهم آمنوا وإلا خافوا. قوله: (وقرئ لا تاجل) العامة على فتح تاء «توجل» من وجل يوجل كشرب يشرب وقرئ «لا تاجل» والأصل لا توجل كقراءة العامة إلا أنه قلبت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها وإن لم تكن هي متحركة كقولهم: ثابه وصامه في ثوبه وصومه. وسمع:
«اللهم تقبل تابتي وصامي» وقرئ أيضا «لا توجل» مبنيا للمفعول من الإيجاب. وقرئ «لا تواجل» أيضا. قوله: (وقرأ حمزة نبشرك) أي بفتح النون وسكون الباء من بشرت الرجل أبشره بشرا وبشورا من البشرى. فالبشر والإبشار والتبشير ثلاث لغات. وقرأ الباقون «نبشرك»