فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 223
لقوله فبشرناها بإسحق عَلِيمٍ (53) إذا بلغ
قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ تعجّب من أن يولد له مع مسّ الكبر إياه أو إنكار لأن يبشّر به في مثل هذه الحالة وكذلك قوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) أي فبأيّ أعجوبة تبشروني، أو فبأيّ شيء تبشروني. فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء. وقرأ ابن كثير بكسر النون مشدّدة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية. وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء.
قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ بما يكون لا محالة أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو قول اللّه تعالى وأمره فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (55) من الآيسين من ذلك. فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين فكيف من شيخ فإن وعجوز عاقر. وكان استعجاب إبراهيم صلوات اللّه عليه باعتبار العادة دون القدرة. ولذلك
قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) أي المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة اللّه وكمال علمه وقدرته كما قال: لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون. وقرأ أبو عمرو والكسائي «يقنط» بالكسر وقرئ بالضم وماضيها قنط بالفتح.
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) أي فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بضم النون وفتح الباء من التبشير بشروه بأمرين: أحدهما أن الولد ذكر والثاني أنه عليم.
واختلفوا في تفسير العليم فقيل: بشروه بنبوته. وقيل: بشروه بأنه عليم بالدين وما يتعلق به.
قوله: (تعجب أو إنكار الخ) إذ لا محل لحمله على الاستفهام حقيقة إذ لا وجه للاستفهام بعد أن قالوا: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ وكذا لا وجه للاستفهام عن المبشر به بعد ما بينوه بأنه غلام عليم، فلذلك حمل الاستفهام على التعجب والإنكار والباء صلة تُبَشِّرُونَ كما في قولك: بشرته بقدوم زيد. ويجوز أن لا تكون صلة «تُبَشِّرُونَ» بل تكون كالباء في قوله:
ضربته بالسوط. والمعنى بأي طريقة تبشرونني بالولد أيحصل ذلك مني حال كوني باقيا على صفة الشيخوخة أم أصير وأنقلب إلى الشباب، ثم يحصل الولد مني وكل ذلك بعيد بحسب العادة وأمر عجيب. وكذا قوله: بِالْحَقِ يحتمل أن تكون الباء فيه صلة أي بشرناك بطريقة هي حق وهي أن يحصل الولد منكما حال بقائكما على صفة الشيخوخة التامة بفعل اللّه تعالى وأمره، فإنه تعالى قادر على أن يوجد ولدا من غير أبوين فكيف من شيخ وعجوز عاقر؟
والقنوط اليأس من الخير وقول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ يدل على أنه عليه الصلاة والسّلام لم يكن قانطا. ولكنه استبعد ذلك باعتبار العادة فظنت الملائكة أن به قنوطا فنفى عن نفسه وأخبر أن القانط من رحمة ربه ضال جاهل.
والاستفهام في قوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ يدل على أنه عليه الصلاة