حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 252
بالنون على التفخيم وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا وهو أشرف الأغذية ومن هذا تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) على وجود الصانع وحكمته فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها ثم ينمو ويخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية لذلك.
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ بأن هيأها لمنافعكم مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات للّه تعالى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولك: رعيت الإبل أرعاها إذا خليتها ترعى وأنت ترقبها، ويقال: رعى البعير الكلأ بنفسه.
والرعي بهذا المعنى لا يصلح أن يذكر في تفسير «تسيمون» بضم التاء من قوله: أسام ماشيته إذا أرسلها وخلاها ترعى، وسامت هي تسوم سوما إذا رعت بنفسها حيث شاءت. قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات.
قوله: (ولعل تقديم ما يسام فيه الخ) يعني أن النبات قسمان: أحدهما معد لرعي الأنعام وقد ذكره بقوله: تُسِيمُونَ وثانيهما مخلوق لأن يكون غذاء للإنسان وهو المراد بقوله: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وكان الظاهر أن يقدم ما يأكله الإنسان لا ما يكون مرعى للحيوانات من النبات إلا أن مرعى الحيوان بسبب أكل الحيوان إياه يكون جزءا منه فيصير غذاء حيوانيا وهو أشرف من الأغذية النباتية. فبهذا الاعتبار يكون مرعى الحيوان أشرف مما يأكله الإنسان فلذلك قدم الأول على الثاني، لأن الغذاء الحيوان إنما يحصل من إسامة الحيوانات والسعي في تسمينها بواسطة الرعي. ثم إن الغذاء النباتي قسمان: حبوب وفواكه فهو تعالى أشار إلى الحبوب بلفظ «الزرع» وإلى الفواكه بقوله: وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ ولا شك أن الحبوب أشرف في الغذائية بالنسبة إلى الفواكه وأشرف الفواكه الزيتون والنخيل والأعناب، فلذلك خص هذه الفواكه الثلاث بالذكر مع كثرة الفواكه. وأشرف هذه الثلاث هو الزيتون لأنه فاكهة من وجه وأدم من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الأذهان كثيرة حيث تصلح للأكل والطلي واشتعال السرج. وأشرف الباقيين النخيل فلذلك قدم الزيتون على النخيل وقدم النخيل على الأعناب. قوله: (نفعكم بها حال كونها مسخرات) جواب عما يقال فيه تحصيل الحاصل وتقييد الشيء بنفسه وتكرار بلا فائدة. وتقرير الجواب أن سخرها لكم بمعنى نفعكم