حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 254
أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع. وقرأ حفص و «النجوم مسخرات» على الابتداء والخبر فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه. ورفع ابن عامر «الشمس والقمر» أيضا
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) جمع الآية وذكر العقل لأنها تدل أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات.
وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ عطف على «الليل» أي وسخر لكم ما خلق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجوده تحتاج إلى التفكر والتأمل. فإنه لما ذكر أنه تعالى أنزل من السماء ماء فأنبت به الزرع والزيتون ونحوهما توهم أن يقال: لا نسلم أنه هو الذي أنبتها. ولم لا يجوز أن يقال هذه الأشياء إنما حدثت بسبب اختلاف الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب، فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون الاستدلال بأحوال النبات وافيا بإفادة هذا المطلوب قاطعا للشكوك والريوب بل يكون الاحتياج إلى التفكر والتأمل باقيا بعد. فلهذا السبب ختم الاستدلال باختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر والنجوم لما خلقت له بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تنبيها على أن هذا الدليل واف لإفادة هذا المطلوب لمن له عقل سليم ولا يحوجه إلى مزيد التكفر والتأمل. فإن من يعقل أن اختلاف الفصول والأوضاع الفلكية والكوكبية لا يستند إلى أفلاك وأوضاع ضرورة بطلان التسلسل يقطع بأن جميع الحوادث مسندة إليه تعالى ابتداء وانتهاء وجمع لفظ الآية للدلالة على اختلاف أنواع الدلالة. قوله: (أو مصدر ميمي) عطف على قوله: «حال من الجميع» فيكون مسخرات مفعولا على أن يكون مسخر بمعنى التسخير لأن المصدر الميمي من المزيدات يكون على وزن اسم المفعول من ذلك الباب. ويجوز أن يجمع المصدر للدلالة على اختلاف الأنواع والمعنى: أنه سخرها أنواعا من التسخير على أسلوب قولك: ضربه ضربات. قوله: (ورفع ابن عامر) فإنه قرأ «والشمس والقمر والنجوم مسخرات» بالرفع في الأربعة. وقرأ حفص برفع «النجوم» و «مسخرات» فقط. والباقون بنصب الجميع وكسر تاء «مسخرت» . فإن قيل: التسخير إنما يتعلق بمن له حياة وقدرة يصح منه الانقياد والمخالفة حتى يقهر ويسخر فكيف يصح أن يتعلق التسخير بما هو من قبيل الإعراض كالليل والنهار؟
وما هو من قبيل الجمادات كما في المذكورات. فالجواب أن تسخير هذه الأشياء عبارة عن أنه تعالى خلق هذه الأشياء ودبرها كيف شاء من غير أن يتوهم الامتناع والمخالفة من قبلها، فهن مسخرات للّه تعالى دبرها كيف شاء من غير أن يتوهم الامتناع. أو هو عبارة عن أنه تعالى جعل فيها منافع للخلق تصل إليهم تلك المنافع شئن أو أبين ولم يجعل لهن ما يمتنع عن الخلق استيفاء تلك المنافع منهن بسببه، فهن مسخرات لما خلقن به بإيجاده وتقديره على الوجهين. فالمراد بالأمر أمر التكوين والتقدير: لا أمر التكليف. والحاصل أنه تعالى لما كوّن