حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 255
لكم فيها من حيوان ونبات. مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ أصنافه فإنها تتخالف باللون غالبا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) إن اختلافها في الطبائع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم.
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا هو السمك ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق. وتمسك به مالك والثوري على أن من حلف أن لا يأكل لحما حنث بأكل السمك. وأجيب عنه بأن مبنى الإيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الأشياء على وجه ملائم لمصالح العباد وتكوّنت على وفق إرادته صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع، فأطلق على هذا التكوين والتدبير لفظ التسخير على طريق التخييل فصيغ المشتقات استعارة تبعية وكانت قرينة للاستعارة المكنية. قوله: (يذكرون إن اختلافها ليس إلا بصنع صانع) إشارة إلى أنه تعالى ختم الاستدلال باختلاف أصناف ما ذرأ بقوله: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ بناء على أن خلاصة هذا الدليل راجعة إلى ما ذكر في الاستدلال بأحوال النبات من الحبة الواقعة في الأرض ينشق أسفلها فيخرج منه عروق الشجر وينشق أعلاها فيخرج منه ساقها، ثم تنمو ويخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار إلى قوله: علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار فيتم الاستدلال بأحوال النبات فلذلك قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ. ثم إنه تعالى لما احتج على إثبات الصانع بالأجرام العلوية والسفلية من السماوات والأرض وخلقة نوع الإنسان وأنواع الحيوانات والنباتات شرع الآن في الاستدلال عليه بعجائب أحوال العناصر، فبدأ منها باستدلال بعنصر الماء. واعلم أن علماء الهيئة قالوا: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء الذي هو البحر المحيط وهو كله عنصر الماء، وحصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال تعالى وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان: 27] والبحار التي سخرها اللّه تعالى للناس هي هذه البحار، ومعنى تسخير اللّه تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص لاستخراج ما فيها من اللؤلؤ والمرجان واصطياد ما فيها من اللحوم الطرية ونحو ذلك. والماء الزعاق هو المالح الأجاج أي المر.
قوله: (وتمسك به الإمام مالك) حيث قال: كيف لا يحنث بأكل السمك مع أنه تعالى نص على كونه لحما في هذه الآية؟ وليس فوق بيان اللّه تعالى بيان. روي عن أبي حنيفة أنه لما قال: لحم السمك ليس بلحم حتى لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا