حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 256
ترى أن اللّه تعالى سمى الكافر دابة، ولا يحنث الحالف على أن لا يركب دابة بركوبه.
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها كاللؤلؤ والمرجان أي تلبسها نساؤكم فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم. وَتَرَى الْفُلْكَ السفن مَواخِرَ فِيهِ جواري فيه تشقه بحيزومها من المخر وهو شق الماء. وقيل: صوت جري الفلك. وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ من سعة رزقه بركوبها للتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) أي تعرفون نعم اللّه تعالى فتقومون بحقها ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام من حيث إنه جعل المهالك سببا للانتفاع وتحصيل المعاش.
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا رواسي أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ كراهة أن تميل بكم وتضطرب، وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك. فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحنث. وسمعه سفيان أنكر عليه واحتج عليه بهذه الآية فبعث إليه أبو حنيفة وسأله عن رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض فهل يحنث أو لا؟ قال سفيان: لا يحنث.
فقال السائل: أليس اللّه تعالى قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا [نوح: 19] فعرف سفيان أن ذلك كان بتلقين أبي حنيفة. قوله: (تشقه بحيزومها) أي بوسط صدورها. قال أهل اللغة:
مخر السفينة شقها الماء بصدره. وعن الفراء أن الخر صوت جري الفلك. وقوله تعالى: مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا يجوز أن يتعلق بقوله: لِتَأْكُلُوا وأن يتعلق بمحذوف على أن يكون حالا من النكرة بعده وكذا «مِنْهُ» في قوله: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً يحتمل الوجهين المذكورين.
والحلية اسم لما يتحلى به. وقوله تعالى: وَتَرَى الْفُلْكَ جملة معترضة بين التعليلين وهما قوله: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ وما عطف عليه وقوله: وَلِتَبْتَغُوا وإنما قلنا معترضة لأنه خطاب لواحد وقع بين خطابين لجمع. قوله: (بركوبها للتجارة) إضافة الركوب إلى ضمير الفلك يشعر أن يكون تقدير الكلام: لتنتفعوا بكونها مواخر فيه ولتبتغوا الريح والنماء من فضل اللّه بركوبها للتجارة، فإذا وجدتم ما تبتغونه من فضل اللّه وإحسانه فلعلكم تؤدون حق شكره. إذ لو جعل معطوفا على قوله تعالى: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا وجعل قوله: وَتَرَى الْفُلْكَ اعتراضا بين التعليلين كما هو الظاهر لكان المناسب تذكير الضمير بأن يقال: بركوبه للتجارة.
قوله: (كراهة أن تميل بكم) الميد الميل والحركة والاضطراب يمينا وشمالا يقال: ماد يميد ميدا. قوله: (أو أن تتحرك بأدنى سبب) للتحريك كالسفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت أجرام ثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء واستوت لأن تلك الأجرام بسبب ثقلها تتوجه نحو المركز وتمنع السفينة عن