حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 257
المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق اللّه الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها. فأصبحت وقد أرسيت بالجبال.
وَأَنْهارًا وجعل فيها أنهارا لأن ألقى فيه معناه وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) لمقاصدكم أو إلى معرفة اللّه سبحانه وتعالى
وَعَلاماتٍ معالم تستدل بها السابلة من جبل وسهل وريح ونحو ذلك. وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) بالليل في البراري والبحار. والمراد بالنجم الجنس. ويدل عليه قراءة و «بالنجم» بضمتين وضمة وسكون على الجمع. وقيل: الثريا والفرقدان وبنات النعش والجدي. ولعل الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسائرهم بالنجم وإخراج الكلام عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص. كأنه قيل: وبالنجم هؤلاء خصوصا يهتدون فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن تطرب يمينا وشمالا، فكذلك الجبال بالنسبة إلى الأرض فإنها بمنزلة الأوتاد بالنسبة إلى الأمواج كما قال تعالى: وجعلنا وَالْجِبالَ أَوْتادًا [النبإ: 7] على طريق التشبيه البليغ. قوله:
(ما هي بمقر أحد على ظهرها) كذا فيما رأيته من النسخ. والظاهر أن يقال: بمقرة أحد بتأنيث مقرة منونة أو غير منونة لكونها خبرا عن ضمير الأرض. قوله: (لأن ألقى فيه معناه) أي معنى جعل. فإن الإلقاء حقيقة هو طرح الشيء من أعلى إلى أسفل. ولا يخفى أن إثبات الجبال الرواسي في وجه الأرض ليس بطريق الإلقاء بل بطريق الجعل والخلق. ويدل عليه قوله في آية أخرى: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها [فصلت: 10] ولما كان قوله في هذه:
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ بمعنى وجعل فيها رواسي ثم عطف قوله: وَأَنْهارًا وَسُبُلًا على قوله: رَواسِيَ كان المعنى: وجعل فيها رواسي وأنهارا وسبلا. ومعنى إلقاء السبل وجعلها في الأرض أنه تعالى أظهرها وبينها ليهتدي بها من يشاء إلى مقصده ووضع فيها علامات، أي معالم وهو جمع معلم وهو الأثر الذي يستدل به على الطريق من جبل وسهل وريح ونحوها مما يستدل به في النهار، ولعل النار تهب فيه الريح من جهة إلى جهة أخرى فيستدل بها على الطريق في الليل كما يستدل بالجبل ونحوه. قال الإمام: ورأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يعرفون الطرقات. قوله: (ولعل الضمير لقريش) يعني غير أسلوب الحطاب في قوله. أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ إلى طريق الغيبة في قوله: وَبِالنَّجْمِ هو يَهْتَدُونَ وخص أولئك الغائبين بالاهتداء دون غيرهم بدلالة تقديم «هُمْ» على «يَهْتَدُونَ» وخص اهتداءهم بالنجم دون غيرهم حيث قدم بالنجم على عامله الذي هو «يَهْتَدُونَ» . فلعل المراد بهؤلاء الغائبين قريش فإنهم امتازوا من بين جملة الناس بكسرة الأسفار للتجارة ومن سافر في الديار لتجارة يكون أكثر سفره واقعا في ظلمة الليالي، فيكون اهتداؤه مختصا