فهرس الكتاب

الصفحة 2980 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 349

أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك. فسمي الصديق. واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب. فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال: «تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق» . فخرجوا ينشدون العير إلى السنية فصادفوا العير كما أخبر. ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين. وكان ذلك قبل الهجرة بسنة.

واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة، بروحه أو بجسده، والأكثر على أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى.

ولذلك تعجب قريش واستحالوه. والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على طريق تسمية أحد الملابسين باسم الآخر فإنهم اتفقوا على أن المراد بقوله: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بيت المقدس وكلمة «إلى» فيه لانتهاء الغاية. وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن خلفه مسجد فيكون أبعد المساجد من مكة.

فمدلول قوله: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أنه وصل إلى ذلك المسجد فأما كونه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه. فلما كان المراد بالمنتهى الحد الملتبس بالمسجد الأقصى كان المناسب أن يكون المراد بالمبدأ أيضا الحد الملتبس بالمسجد الحرام ليطابق المبدأ المنتهى. قوله: (واستنعته) أي طلبوا منه عليه الصلاة والسّلام أن يبيّن لهم نعت بيت المقدس والمسجد الأقصى فجلى أي ظهر له في الحال، فطفق ينظر إليه وينعته لهم. قوله:

(ولذلك تعجب قريش واستحالوه) بناء على أن ارتفاع الجسد من مكة إلى بيت المقدس ثم منه إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل مما لا يقبله العقل. قال الإمام: ومما يدل على جوازه عقلا أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة، ثم إنّا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه. غاية ما في الباب أنه يبقى التعجب إلا أن مثل هذا التعجب لا يختص بهذا المقام بل هو حاصل في جميع المعجزات فمجرد التعجب لا يستلزم الإنكار والبطلان. وأيضا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في ليلة واحدة ممتنعا كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسّلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، والقول بثبوت المعراج متفرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحد يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسّلام في لحظة واحدة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت