حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 351
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الْبَصِيرُ (1) بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك.
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا على أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا. وقرأ أبو عمرو بالياء على لئلا «يتخذوا» مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ربا تكلون إليه أموركم غيري.
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ نصب على الاختصاص أو النداء إن قرئ «أن لا تتخذوا» بالتاء على النهي يعني قلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح. أو على أنه أحد مفعولي «لا تتخذوا» و «مِنْ دُونِي» حال من «وَكِيلًا» فيكون كقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بارَكْنا وفي لِنُرِيَهُ ثم التفت من التكلم إلى الغيبة في قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ففي الكلام التفاتان. وقرئ «ليريه» بياء الغيبة وعلى هذه القراءة يكون في الآية أربع التفاتات لأنه التفت أولا من الغيبة في قوله: الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ إلى التكلم وقوله: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ معطوف على الجملة السابقة الدالة على تنزيه اللّه تعالى على طريق عطف الجملة على الجملة ذكر اللّه تعالى إكرامه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه أسرى به وذكر في هذه الآية أنه أكرم موسى عليه الصلاة والسّلام قبله بإيتاء الكتاب. والضمير المنصوب في جَعَلْناهُ يجوز أن يكون للكتاب وهو الظاهر، وأن يكون لموسى عليه الصلاة والسّلام. قوله: (على أي لا تتخذوا) أي على أن يكون «إن» فيه مفسرة و «لا» ناهية على طريقة قولك: كتبت إليه أن افعل كذا. فإن «أن» فيه مفسرة للمفعول المقدرة للفظ كتبت أي كتبت إليه شيئا هو أفعل كذا. فكلمة «أن» حرف دال على أن أفعل كذا يفسر به المقدر لكتبت الدال على معنى القول والمؤدى معناه. فكذا «أن» التي في الآية مفسرة بمعنى أي تفسر ما تضمنه الكتاب من التكاليف، فإن نهى بني إسرائيل على أن يتخذوا من دونه تعالى وكيلا أي ربا يكلون إليه أمورهم في معنى تكليفهم بأن يتعبدوا بامتثال جميع ما كلفهم اللّه تعالى من الأوامر والنواهي ولا يلتفتوا إلى ما تدعو إليه نفوسهم وطبائعهم ورؤساؤهم الضالون. وقرأ أبو عمرو «أن لا يتخذوا» بياء الغيبة جريا على قوله لبني إسرائيل. والباقون «أن لا تتخذوا» بتاء الخطاب التفاتا. وحكم «أن» في قراءة أبي عمرو مصدرية ناصبة للفعل بعدها على حذف الخافض أي لئلا يتخذوا من دوني وكيلا أي ربا يكلون إليه أمورهم. قوله: (أو النداء) فالمعنى: لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة مؤمنو قومه. وبنو إسرائيل من نسل سام بن نوح وبنى انتصابه على النداء على قراءة «أن لا تتخذوا» بتاء الخطاب لأن النداء إنما يكون للحاضر لا لمن غاب عنهم، فلا وجه لانتصابه على النداء على قراءة «أن لا يتخذوا» بياء الغيبة كمالا وجه لكونها مصدرية على قراءة الخطاب لأن بني إسرائيل غائبون.