حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 354
أُولاهُما وعد عقاب أولاهما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا بخت نصر عامل لهراسف على بابل وجنوده. وقيل: جالوت الخزري. وقيل: سنجاريب من أهل نينوى. أُولِي بَأْسٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واستخلف اللّه تعالى على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ناشيه بن أموص وبعث لهم أرميا بن حلفيا نبيا وكان من سبط هارون عليه الصلاة والسّلام. وذكروا أنه الخضر واسمه ارميا وسمى خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء، فبعث اللّه أرميا إلى ذلك الملك يسدده ويرشده فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم. فأوحى اللّه تعالى إلى أرميا: أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي وعرفهم بأحداثهم. فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه اللّه عز وجل في الوقت خطبة بليغة بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية. وقال في آخرها: عن اللّه عز وجل وإني حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى اللّه تعالى إلى أرمياء: أني مهلك بني إسرائيل بملك أهل بابل. فسلط اللّه عليهم بخت نصر فقتل علماءهم وحرق التوراة وخرب المسجد وألقى فيه الجيف وسبى سبعين ألفا وذهب بهم إلى بابل فكانوا بها سبعين سنة. ثم لما أراد اللّه هلاك بخت نصر انبعث فقال لمن بين يديه من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي خربت والناس الذين قتلت من هم وما هذا البيت؟ قالوا: هذا بيت اللّه وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم وقد كان ربهم ورب الخلق أجمعين يكرمهم ويعزهم، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم وسلط عليهم غيرهم فاستكبروا ظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني إسرائيل. قال: فأخبروني كيف بي أن أطلع إلى السماء العليا فاقتل من فيها واتخذها ملكا، فإني قد عرفت من في الأرض؟ قالوا: ما يقدر عليها أحد من الخلائق. قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم. فبكوا وتضرعوا إلى اللّه فبعث اللّه عليه بقدرته بعوضة فدخلت منخرة حتى عضت بأم دماغه فما كان يقر ولا يسكن حتى يوطأ رأسه على أم دماغه فلما مات شق رأسه فوجد البعوضة عاضة في أم دماغه ليرى اللّه تعالى العباد قدرته. ونجى اللّه تعالى من في يديه من بني إسرائيل فردهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه. ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من اللّه تعالى وكانت التوراة قد أحرقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشام يبكي عليها ليله ونهاره وقد خرج من الناس وهو كذلك إذ أقبل إليه رجل وقال:
يا عزير ما يبكيك؟ فقال: أبكي على كتاب اللّه وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره. قال: أفتحب أن يرد إليك ما فات؟ قال: نعم. قال: ارجع فصم