فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 378
فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك. فدخل صلّى اللّه عليه وسلّم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا. وأذّن بلال وانتظروا الصلاة فلم يخرج فأنزل اللّه ذلك. ثم سلاه بقوله:
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإضافة إلا لمصلحتك. إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم. ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر اللّه تعالى العالم بالسرائر والظواهر فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
درع. ودرع المرأة قميصها وهذا القول مبني على رواية الكشاف وهي هكذا: من ساعة إلى ساعة فعد إلينا. وعلى تلك الرواية يحتمل أن يكون «من» متعلقة «بيظهر» . قوله: (ثم سلاه بقوله إن ربك يبسط الرزق) الظاهر أن ليس مقصوده أن الآية نازلة لتسليه عليه الصلاة والسّلام بخصوصه عما حصل من الإعسار والإضافة، بل المراد أنها نازلة لتسلية المعسرين مطلقا. وحصل له عليه الصلاة والسّلام التسلي في ضمن هذه التسلية العامة، وذلك لأن المخاطب في قوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ عام للكل بقرينة كونه معطوفا على قوله:
وَقَضى رَبُّكَ أن لا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وإن قيل: إنه خطاب له عليه الصلاة والسّلام بخصوصه أمره اللّه تعالى أن يؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في مال الفيء والغنيمة، وأوجب عليه أيضا أن يؤتي حق المساكين وأبناء السبيل من هذين المالين كما أشار إليه بقوله. وقيل:
المراد بذا القربى أقارب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولما كان الخطاب في هذه الآيات يعم الكل وأمر اللّه تعالى الموسرين منهم بالإنفاق على المعسرين منهم سلاهم بقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي يضيق بحسب مشيئته وهي تابعة للحكمة والمصلحة عند المعتزلة، وبالعكس عندنا. وليس إعسار المعسر لهوان منك عليه ولا لبخل به عليك لكونه مهانا عند اللّه، ولا لبخل منه تعالى عليه بل هو لكون مصلحته فيه. وفي ضمن هذه التسلية العامة تحصل تسليته عليه الصلاة والسّلام أيضا. فقوله: «بمشيئته التابعة للحكمة» ليس معناه أن أفعاله تعالى ومشيئته معللة بالحكمة والمصلحة وأن رعاية ما هو الأصلح في حق العبد واجبة عليه، بل المراد أن مشيتئه تعالى موافقة للحكمة ولا تخلو عنها وأنه تعالى منزه عن أن يفعل ما لا حكمة فيه ولا مصلحة.
قوله: (ويجوز أن يراد الخ) إشارة إلى وجهين آخرين لانتظام هذه الآية بما قبلها وعلى كل واحد من الوجهين تكون هذه الآية تعليلا للآية الناطقة بالنهي عن القبض المفرط والبسط المفرط والأمر بالاقتصاد. تقرير الأول: أن القبض المفرط والبسط المفرد كل واحد منهما مختص باللّه، فاقتصد أنت واترك ما هو مختص به تعالى. وتقرير الثاني: أنكم إذا تحققتم وتأملتم فيما بسط اللّه وقبض وأمعنتم النظر فيه وجدتموه مقتصدا يقبض تارة ويبسط أخرى