فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 409
ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعد أفراده والمسألة موضع نظر. وقد أوّل الكثير بالكل وفيه تعسف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: 7] وروي عن أبي هريرة أنه قال: المؤمن أكرم على اللّه من الملائكة. وقال الإمام أبو منصور الماتريدي: أما الكلام في تفضيل البشر على الملائكة والملائكة على البشر، فأنّا لا نتكلم فيه بما لم نعلم وليس لنا إلى معرفته حاجة فالأمر فيه إلى اللّه تعالى. قوله: (ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس) أي جنس بني آدم يعني إن سلمنا أن قوله تعالى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ يدل على أن جنس بني آدم ليسوا مفضلين على جنس الملائكة، أو على الخواص منهم بناء على أن الكثير لم يعبر به عن الكل، فإن المراد بالتفضيل الشرف والكرامة لكن اللازم منه وهو أن لا يكون جميع أفراد بني آدم مفضلا على ما ذكر لا ينافي أن يكون بعض الأفراد مفضلا عليه، وذلك لأن الإضافة إلى بني آدم ليست للعهد الخارجي ولا الذهني لأن الكلام ليس في تكريم بعض الأفراد وتفضيله، ولا لتعريف نفس الحقيقة بقرينة ذكر بني آدم في مقابلة كثير من الخلق، وذكر الحقيقة في مقابلة الفرد غير معقول فتعين أن تكون إضافة بني آدم للاستغراق. فظهر بذلك وجه قوله: «ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده. ثم ذكر أنه تعالى لما ذكر أن الشيطان ليس له سلطان على المخلصين من عباد اللّه تعالى، وأنه كان في عصمة من يتوكل عليه واتبعه بذكر ما يدل على كمال قدرته من إجراء السفن لهم في البحر ابتغاء منافع الدنيا، وأن تكريمه لبني آدم ليس من جهة تسخير الفلك لهم فقط بل إنه تعالى كرمهم من وجوه شتى من جملتها: أنه حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير من المخلوقات، حرّضهم على الاجتهاد في اكتساب الخيرات المؤدية إلى سعادة الآخرة فقال: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ الآية. قرأ الجمهور بنون العظمة وقرئ «يدعو» بياء الغيبة وإسناد الفعل إلى ضمير الجلالة أو الملك و «كل أناس» على القراءتين منصوب على أنه مفعول به. وقرئ «يدعى» مبنيا للمفعول وحينئذ «كل» مرفوع لقيامه مقام الفاعل. وقرئ «يدعو» بضم الياء وفتح العين بعدها واو ساكنة. نقل عن الفراء أنه قال: أهل العربية لا يعرفون وجها لهذه القراءة. ولعل القارئ قرأ يدعا بفتحة ممزوجة بالضمة فظن الراوي أنه قرأ «يدعو» وذكر لها وجهين: الأول أن الأصل يدعا على بناء المفعول إلا أن القارئ قلب الألف واوا حال الوقف على لغة قوم يقولون هذه: أفعو وعصو وصلو في الأفعى والعصا والصلا، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف «وكل» مرفوع لقيامه مقام الفاعل. والوجه الثاني أن الفعل مفرد والأصل «يدعا» أبدلت الواو من الألف لتدل على أن الفاعل جمع وليست ضمير جمع بل الفاعل باق على أفراده كما في قولهم: أكلوني البراغيث، وإعراب الفعل بالحركة التقديرية.