حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 431
يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر وتصاموا عن استماع الحق وأبو أن ينطقوا بالصدق. ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مؤوفي القرى والحواس. مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم زِدْناهُمْ سَعِيرًا (97) توقدا بأن تبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة. فإنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم اللّه بأن لا يزالون على الإعادة والإفناء، وإليه أشار بقوله:
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) لأن الإشارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[الأنعام: 23] فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون وينطقون، فكيف قال ههنا: عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا؟ أجاب عنه المصنف أولا بأن المعنى أنهم يحشرون عميا بحيث لا يرون شيئا يسرهم، صما لا يسمعون شيئا يلتذون بسماعه، بكما لا ينطقون بحجة. ثم أشار إلى الجواب ثانيا بقوله: «ويجوز أن يحشروا» الخ يعني أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولو لا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة اللّه عليهم، إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار يجعلهم اللّه تعالى عميا وبكما وصما.
قوله: (مؤوفي القوى) من الآفة يقال: أيف الزرع على ما لم يسم فاعله أي أصابته آفة فهو مؤوف. قوله: (توقدا) إشارة إلى أن السعير مصدر بمعنى التسعير وهو التوقد والتلهب، كالنذير والنكير بمعنى الإنذار والإنكار. ويجوز أن يكون السعير بمعنى النار المسعورة يقال:
سعرت النار بمعنى هيجتها وألهبتها، وقد تشدد العين لتكثير المبالغة. فإن قيل: قال تعالى:
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ [البقرة: 162؛ آل عمران: 88] وقوله: كُلَّما خَبَتْ يدل على أن العذاب يخفف عنهم في ذلك الوقت. أجيب بأن قوله: كُلَّما خَبَتْ معناه كلما أرادت أن تخبو زدناهم تسعرا وتلهبا. قوله تعالى: (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ) مبتدأ وخبر والباء في قوله:
بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا باء السببية أي ذلك العذاب الموصوف المذكور فيما تقدم جزاؤهم بسبب أنهم كفروا بآياتنا الدالة على صدق مدعي النبوة مكابرة وعنادا. وعطف على كفرهم بالآيات المذكورة قولهم: وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا الخ يعني أنهم كما أنكروا النبوة أنكروا البعث والحشر واستبعدوا أن يعود الإنسان بعينه بعد أن يصير عظاما ورفاتا. وأجاب اللّه تعالى عن هذا الاستبعاد بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الخ يعني أن من خلق السماوات والأرض كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم. وأراد بخلق مثلهم خلق أنفسهم ثانيا، فإن مثل الشيء لما كان مساويا له في حالته جاز أن يعبر به عن الشيء نفسه. ألا ترى أنه يقال: مثلك لا يفعل هذا ويراد أنت لا تفعله. وقيل: المراد أنه قادر على أن يخلق عبيدا آخرين يوحدونه ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر الشبهات الفاسدة. وما اختاره المصنف أنسب بالمقام.