فهرس الكتاب

الصفحة 3064 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 433

وفائدة هذا الحذف والتفسير المبالغة مع الإيجاز والدلالة على الاختصاص. إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ لبخلتم مخافة النفاد بالإنفاق إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود اللّه تعالى وكرمه هذا وأن البخلاء أغلب فيهم. وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (100) بخيلا لأن بناء أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما يبذله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان فاعلا لفعل مقدر إلا أنه لما كان عبارة عن ضمير «تَمْلِكُونَ» المتأخر ومتحدا معه بالذات كان من حيث المعنى فاعلا له قدم عليه. وقد تقرر في علم المعاني أن تقديم الفاعل المعنوي يفيد الاختصاص فقوله تعالى: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ يدل على أنهم المختصون بهذه الحالة الخسيسة والشح الكامل. فإنه من المعلوم أن خزائن اللّه تعالى غير متناهية لا يتصور نفادها بكثرة الإنفاق فمن ملكها واستولى عليها من غير منازع ومزاحم ثم أمسكها ولم يقض بها حاجة أحد من المحتاجين يكون في غاية الشح ونهاية البخل. قوله: (لبخلتم) إشارة إلى أن «أمسكتم» لا يقدر له مفعول ويجعل لازما لتضمنه معنى بخلتم. ويجوز أن يجعل متعديا ويقدر له مفعول أي لأمسكتم المال والخيرات التي ملكتموها، إلا أنه لما حصل المقصود بدون التقدير استغنى عنه. «وخَشْيَةَ الْإِنْفاقِ» مفعول له لقوله: «أمسكتم» . وقيل: إنه مصدر في موضع الحال أي لأمسكتم خاشين الإنفاق، وفيه نظر، لأن المصدر المعرف لا يقع موقع الحال إلا سماعا نحو: وأرسلها العراك ولا يقاس عليه. والإنفاق مصدر أنفق إذا أخرج المال، وجعله المصنف مصدر أنفق بمعنى أنفد. وفي الصحاح: نفق الزاد ينفق نفقا أي نفد وأنفق الرجل أي افتقر وأذهب ماله. فعلى هذا خشية الإنفاق معناه خشية الفاقة والافتقار.

قوله: (إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه) جواب عما يقال: كيف يصح أن يخاطب كافة الإنسان خطابا عاما ويصفهم بالبخل المفرط بهذه المبالغة العظيمة مع أن في الإنسان من هو جواد كريم؟ وتقرير الجواب: وصف كافة الإنسان بالبخل لأن الأصل فيهم البخل من حيث خلق محتاجا إلى ما ينتظم به أحواله، والمحتاج لا بد وأن يحب ما به يدفع حاجته وأن يمسكه لنفسه ولا يؤثر به غيره، وإن اتفق أن يؤثر به غيره إنما يفعل ذلك لطلب عوض يفوق ما أنفق، مثل أن يحمد ويذكر بالجميل أو يخرج من عهدة الواجب أو يتقرب به إلى اللّه تعالى، وقلما ينفق لا لعوض، وفائدة تصل إليه، فكان المنفق بهذه الكيفية بهذا الغرض في الحقيقة بخيلا. فإن الجود هو العطاء تفضلا من غير داعي يدعو إليه سوى الكرم ودفع حاجة المحتاج. ثم أشار إلى وجه آخر وهو أنه وصف الكل بالبخل على إقامة الأكثر مقام الكل، لأن البخلاء أغلب فيهم. وقيل: الخطاب في قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي الآية ليس للكل بل هو خطاب للذين قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت