حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 436
الأمر أو بإضمار «اذكر» على الاستئناف. فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (101) سحرت فتخبط عقلك.
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ يا فرعون. وقرأ الكسائي بالضم على إخباره عن نفسه. ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ يعني الآيات إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ بينات تبصرك صدقي ولكنك تعاند. وانتصابه على الحال. وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر من قولهم: ما ثبرك عن هذا أي ما صرفك. أو هالكا قارع ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون كذب محض وظن موسى يحوم حوم اليقين من تظاهر إماراته. وقرئ «وإن أخالك يا فرعون لمثبورا» على «أن» المخففة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوع إخبارهم عن حال الآيات التسع لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في زمان مجيء موسى عليه الصلاة والسّلام إلى بني إسرائيل، بل يكون مفعولا به. وإخبارهم إياه عليه الصلاة والسّلام ذلك الزمان عبارة عن إخبارهم إياه ما وقع في ذلك الزمان من القصة بتمامها. والمعنى: سل بني إسرائيل عن حال الآيات التسع فإنهم يخبرونك القصة بتمامها من لدن مجيء موسى من مدين إلى مصر عند إيابه إليهم، وذهابه إلى فرعون، وطلبه منه إرسال بني إسرائيل معه، وادعائه النبوة وإظهار تلك الآيات القاهرة بأسرها وعجز فرعون وعناده. إلا أنه يجب أن يكون قوله:
إِذْ جاءَهُمْ بمعنى إذ جاء آباءهم بتقدير المضاف لأن الخطاب لسيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم، وبنو إسرائيل هم الموجودون في زمانه، وموسى عليه الصلاة والسّلام ما جاءهم بل جاء آباءهم.
وإن كان «إذ جاءهم» منصوبا بإضمار «اذكر» على أنه مفعول به جاز أن لا يجعل «فاسأل» اعتراضا بأن يجعل «اذكر» بدلا من «اسأل» لما سبق من أن المقصود من السؤال بيان كون المسؤولين من أهل علمه. والفاء في قوله: فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ على هذه الأوجه فصيحة والمعنى: إذ جاءهم فذهب إلى فرعون فادّعى النبوة وأظهر المعجزة وكذبه فقال. قوله:
(وقرأ الكسائي بالضم) والقراءة بفتح التاء أجود لأن احتجاج موسى عليه الصلاة والسّلام على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج بعلم نفسه. قوله: (فإن ظن فرعون كذب محض) فإنه وصف موسى بكونه مسحورا مزالا عنه العقل. ولا شك أنه كذب محض لا دليل عليه ولا أمارة. وموسى وصف فرعون بكونه مثبورا أي مصروفا عن الخير وهالكا وتصدقه الأمارات المتظاهرة، وهي أن موسى عليه الصلاة والسّلام أثبت نبوته بالمعجزات القاهرة التي لا يرتاب العاقل في أنها من عند اللّه تعالى، وأنه تعالى إنما أظهرها على يده تصديقا له في دعواه وكل من أنكرها لا يحمله على الإنكار إلا الحسد والعناد والجهل وحب الدنيا، ومن كان كذلك تكون عاقبته الهلاك والثبور. قوله: (وقرئ وإن أخالك) مضارع قولك: خلت الشيء خيلا وخيلة ومخيلة أي ظننته. وفي المثل: من يسمع يخل. وهو من باب ظننت